فلا بد إذن من البحث عن سبب غير الأمزجة العنصرية، ولا بد أن يكون اختلاف الإنشاد هو سبب هذا الاختلاف بين العرب وسائر الشعوب السامية؛ فإن شعوب وادي النهرين ألفت أناشيد الكهان في الهياكل فترخصت في القافية كما ترخصت فيها الشعوب الآرية التي يتغنى فيها الناس مجتمعين، وقد ألف العبريون العبادة معا منذ كانوا قبيلة واحدة تنتقل بحذافيرها، وتبتهل بحذافيرها إلى معبودها في حظيرة واحدة، ولم تألف قبائل البادية العربية نوعا من أنواع الأناشيد المجتمعة؛ فغلبت على شعرها أوزان القصيد المفرد وقوافيه.
ويرى بعض علماء اللغات السامية أن الكلمة التي تفيد معنى الشعر فيها واحدة مأخوذة من أصلها العربي مع قليل من التحريف طرأ عليها بعد انتشار الساميين في وادي النهرين وبادية الشام وأرض كنعان. ويقول العالم القس الأب مرمرمجي في كتابه المعجميات: «إن لفظة الشعر كانت تدل قديما على الغناء وإن لم ترد بهذا المفهوم في المعاجم التي بين أيدينا، ويمكن الاستدلال على ذلك بوسيلة المقارنة الألسنية السامية؛ إذ إننا نجده في أقدم اللغات السامية من حيث الآثار المكتوبة - أي اللغة الأكدية - كلمة (شيرو) الدالة على هتاف الكهان في الهياكل، ومن الأكدية انتقلت اللفظة إلى العبرية بصورة (شير، وشيره) ومعناها النشيد، ومنها صيغ الفعل المرتجل (شير) بمعنى أنشد وغنى، ثم إلى الآرامية بصورة (شور) بمعنى أنشد، رنم، غنى؛ ومن ذلك جاء اسم سفر من أسفار العهد القديم وهو (شير هشيريم) أي: نشيد الأناشيد، وقد ورد الفعل العبري (شير) في أقدم أثر للغة العبرية وهو نشيد النبية دبورت، يليه مرادفه (زامر) وكلاهما بصيغة الحاضر (اشيره) أي: أنشد وأزمر. والجدير بالملاحظة كما أشار إلى ذلك لانجدون
Langdon
أن العبارة الأكدية (زامار شيري) تطابق كل المطابقة العبارة العبرية (مزمورشير) ومفرداههما في العبرية (مزمور، نشيد، أو شعر) ... هذا ومعلوم أن أغلب الأحرف الحلقية - ومنها العين - قد سقطت في الأكدية، أو أنها كانت تلفظ دون أن تمثلها علامة في الكتابة؛ لأن الرسم المسماري المستعار للأكدية السامية من الشمرية غير السامية كان خاليا من العلامات للحلقيات، لخلو الشمرية منها؛ ولهذا جاز لنا افتراض أن كلمة (شيرو) كان أصلها أو لفظها (شعرو) إلا أنها ولجت العبرية والآرامية وهي خلو من العين كما كانت مصورة في الرسم المسماري، أما العربية فقد ظهرت أو بقيت فيها العين الأصلية ... على أن العربية والعبرية قد احتفظتا بالكسرة المحركة بها الشين في الأكدية (شيرو)، فجاء في العبرية (شير) وفي العربية (شعر)، والكلمة (شيرو) مشتقة حسب معناها في الأكدية والعبرية، أي: معنى الهتاف ثم الغناء ...»
ولا غرابة في أن تكون كلمة (الشعر) في لغة الجزيرة سابقة لمرادفاتها في وادي النهرين وأرض كنعان؛ لأن الجزيرة كانت مصدر الهجرات المتوالية إلى تلك المواطن كما تواتر في أشهر الأقوال.
على أن المعلوم لنا الآن من أطوار الشعر في اللغات السامية أنه تحول في الآرامية والعبرية من الفقرات المسجوعة على نحو أسجاع الكهان إلى السطور المتوازية على نسق قابل للترنم والإنشاد، ثم توقف به التطور عند هذه المحاولة لارتباطه بالشعائر الدينية. وهذا بينما تطور النظم في بلاد الجزيرة العربية حتى أصبح (فنا) مميزا بأوزانه وأقسامه التي تعرف بأسمائها دون أن تنسب إلى ناظم معلوم، على حين أن القصائد العبرية لا تعرف باسم فني يدل عليها، وإنما تعرف بأنها قصيدة كالتي نظمها هذا الشاعر أو ذاك من شعرائهم المشهورين، وتميز بعلامات خاصة ولا تميز على قاعدة عامة تغني عن الإشارة إلى ناظميها.
وبعض اللهجات السامية توقفت عند السطور المتوازية، ولم تتطور بها إلى تقسيم الأوزان والتفاعيل الواضحة؛ فكان كثير من شعرها يخلو من التفاعيل والقوافي اعتمادا على مضاهاة السطر بالسطر والترنيم بالترنيم.
يقول الأستاذ جلبرت موري في بحثه عن الأوزان والأعاريض: «إن إحدى نتائج هذا الاختلاف وزيادة الاعتماد على القافية في اللغات الحديثة؛ ففي اللغتين اليونانية واللاتينية ينظمون بغير قافية لأن الأوزان فيهما واضحة، وإنما تدعو الحاجة إلى القافية لتقرير نهاية السطر وتزويد الأذن بعلامة ثابتة للوقوف، وبغير هذه العلامة تثقل الأوزان وتغمض، ولا تستبين للسامع مواضع الانتقال والانفصال، بل لا يستبين له هل هو مستمع لكلام منظوم أو كلام منثور، وقد اختلف الطابعون هذا الاختلاف في بعض المناظر المرسلة من كلام شكسبير، فحسبها بعضهم من المنثور وحسبها الآخرون من المنظوم. ومما يلاحظ أن اللاتين اعتمدوا على القافية حين فقدوا الانتباه إلى النسبة العددية ... وأن الصينيين يحرصون على القافية لأنهم لا يلتزمون الأوزان، وأن انتشار القافية في أغاني الريف الإنجليزية يقترن بالترخص في التزام الأعاريض.»
ويستطرد العلامة الناقد الأديب إلى الشعر الفرنسي فيقول: «إن اللغة الفرنسية حين رجع فيها الوزن إلى مجرد إحصاء المقاطع وأصبحت المقاطع بين مطولة وصامتة ... نشأت فيها من أجل ذلك حاجة ماسة إلى القافية؛ فصارت في شعرها ضرورة لا محيص عنها، ودعا الأمر إلى تقطيع البيت أجزاء صغيرة ليفهم معناه.»
ومن أسباب الاكتفاء بالوزن دون القافية في أشعار الغربيين ذلك السبب الذي ذكرناه آنفا ولم يذكره العلامة جلبرت موري: وهو غناء الجماعة للشعر المحفوظ الذي يحفظه المغنون جميعا بفواصله ولوازمه ومواضع النبر والترديد في كلماته وفقراته؛ فإنهم في هذه الحالة ينساقون مع الإيقاع بغير حاجة إلى القوافي عند نهاية السطور؛ ولهذا نرى أن شعراء هذه اللغات بعينها يلتزمون القافية في أناشيد الأفراد ويكثرون من القافية في المقطوعات التي يرتلها المنشدون المعروفون باسم
صفحة غير معروفة