بقي المعسكر العام أياما عديدة في هذه المدينة، انتصر الجيش الفرنسي أثناءها عدة انتصارات، ولكن مداولة فجائية عضدت الروسيين في وسط انكساراتهم، قبل أن تعضدهم الطبيعة بعناصرها؛ إذ إن السلطان محمود عقد الصلح مع القيصر وتداول برنادوت مع أعداء فرنسا. علم الإمبراطور بهذا النبأ في ويتبسك، فقال: «سيدفع الأتراك غاليا ثمن هذه الهفوة! فهي هفوة ثقيلة إلى درجة أنني ما كنت لأتنبأ عنها قط!» غير أن الجيش الفرنسي بقي يتقدم من بوريستين ويلج قلب روسيا، وفي الرابع عشر من شهر آب استوطن المعسكر العام في راساسنا على مقربة من سمولنسك، التي كان قد احتلها باركلاي وباغراسيون معا، وفي السابع عشر منه وقعت بين الفريقين معركة هائلة اشتبك فيها مائتا ألف رجل فكان النصر للفرنسيين، فلما رأى الروسيون أنهم يدافعون من غير جدوى أعملوا النار في المدينة وأحرقوا الجسور. وفي الساعة الثانية من الصباح كان المركز خاليا للفرنسيين بعد أن ترك الأعداء عددا كبيرا من الموتى والمحتضرين في وسط النيران والخرائب! عند هذا صرف الإمبراطور اهتمامه لإيقاف الحريق وإرسال النجدة إلى المجاريح. قال الجنرال غورغو: «لم يوجد بين قواد الأمس واليوم من اهتم بالمجاريح اهتمام نابوليون بهم؛ فإن سكرة المجد لم تقو يوما على إنسائه إياهم، وما كان فكره بعد كل معركة إلا لينصرف إليهم.»
بعد أن طاف نابوليون في خارج المدينة، وتفقد المراكز المحصنة التي طرد الروسيين منها، أراد أن يرى بنفسه المركز الجديد الذي استولى عليه العدو ما وراء بوريستين؛ فصعد إلى برج قديم تهدمت أكثر جوانبه، وأخذ يفتش بعينيه عن معسكري باركلاي وباغراسيون، إلا أن هذين القائدين كانا قد تقهقرا؛ الأول على طريق بطرسبورج، والآخر على طريق موسكو، ولكن انتهى إلى نابوليون بعد ذلك أن باركلاي تحول عن الجهة الشمالية وهو يتقدم إلى باغراسيون في طريق موسكو، فأمر جيشه بمطاردة العدو مطاردة شديدة على أمل أن يدركه فيحطمه قبل أن يصل إلى عاصمته القديمة، فنفذ المرشال ناي هذا الأمر تنفيذا تاما.
كانت هذه الموقعة من أدمى المواقع، فلقد طرد الروسيون فيها أربع مرات من مراكزهم، وأربع مرات عادوا فاسترجعوها حتى كسرهم الجنرال غودن شر كسرة، إلا أن الحظ شاء أن يقضي على حياة هذا القائد الباسل الذي بكاه نابوليون وجميع الجيش ودفن في برج كمولنسك.
الفصل الثامن عشر
عندما غادر الإسكندر معسكر دريسا ذهب توا إلى موسكو، فاستغنم الحاكم روستوبشين فرصة وجود القيصر في العاصمة فجمع الأشراف والتجار في الكريملن ليسألهم تضحيات أخرى بالمال والرجال، وأخذ يصور لهم الأعداء في قلب الأمة، ويمثل لهم نابوليون كروح متلفة ترغب في هدم وطنهم وإتلاف استقلالهم الوطني وقلب دينهم؛ وهذا كاف لإثارة هؤلاء الأشراف والتجار على نابوليون. ولم يكتف روستوبشين بما فعل، بل كلف رئيس الإمبراطورية، وهو أسقف عظيم، بأن يجمع الشعب في الكنيسة ويحثه على الحماس الشديد ضد الجيش الفرنسي، بينما كان روستوبشين ينفذ كل هذا دخل الإسكندر من أحد أبواب الكنيسة وتناول الكلام بنفسه فسرد على مسامع الشعب المحتشد غاية الجلاد العالمي من هدم وطنهم ودينهم، حتى أخذت السياسة الروسية طابعا مضطرما والحرب شكلا رهيبا!
على أن نابوليون لما عزم على الزحف إلى موسكو دفع الحرب بشدة هائلة، سوى أن الإسكندر لم ينتظره في الكريملن، وعوضا عن أن يذهب لملاقاته على رأس الجيوش الروسية اتجه بسرعة على طريق بطرسبورج، حيث أرسل كوتوزوف ليحل محل باركلاي. فعندما وصل كوتوزوف إلى الجيش كان باركلاي استحكم بين فيازما وغجاث وتأهب للقتال الذي سيقع في اليوم التالي. فلم يشأ الجندي القديم كوتوزوف أن يشعر القائد المعزول بأنه أحسن اختيار مركزه، ودنا الروسيون من الجيش الفرنسي حتى وقفوا بالقرب من موسكو بين الموسكووا والكالوكزا، حيث وقعت الحرب الهائلة التي كثيرا ما تمناها نابوليون.
في صباح اليوم السابع من شهر أيلول لما بدأت أولى أشعة الفجر بالبزوغ، كان الإمبراطور نابوليون ممتطيا صهوة جواده وقد التف «بريدنكوته» الأشهب اللون وإلى جنبه راب وكولنكور وبعض الكشافة. وما هي إلا هنيهة حتى وصل الكولونيل فابغيير إلى المعسكر يحمل نبأ موقعة سلامنك من أعماق إسبانيا، والسيد ده بوسه من سن كلود يحمل رسائل من ماري لويز ورسم ملك روما؛ فاستاء نابوليون من تصرف المارشال مارمون الذي سلمت كسرته مدريد لويللنكتون، إلا أن الكولونيل دافع عن قائده دفاعا طيبا، ثم أخذ الإمبراطور رسم ولده بعطف عظيم، وبعد أن أراه لمن يحيط به عهد به إلى كاتم سره قائلا له: «خذه، وانصرف به الآن، فلا أريد أن يشاهد الحرب، فهو لا يزال صغيرا لذلك.»
موقعة الموسكووا
جاء في المذكرة الثامنة عشرة ما يلي: «في الساعة الثانية من صباح اليوم السابع كان الإمبراطور محاطا بمرشاليته في المركز الذي اختير في المساء، وفي الساعة الخامسة والنصف ظهرت الشمس بريئة من الغيوم فقال الإمبراطور: هذه شمس أوسترلتز !» ثم قرئت الكلمة التالية:
أيها الجنود
صفحة غير معروفة