348

وذكر أبو بكر الرازي في شرحه (مختصر الطحاوي): أن القياس يوجب فساد صلاته، وأنه لا يجوز له البناء، غير أنهم اتبعوا فيه الأثر، وتركوا النظر، والأثر هو: ما رواه ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( من قاء في صلاته، فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم يتكلم )).

يقال لهم: هذا حديث ضعفه أصحاب الحديث، وإن صح فمعناه: المنع من الكلام في الصلاة، والنسخ له إذ كان مباحا في الصلاة في أول الإسلام، فكأنه ابتداء قوله: وليبن على صلاته ما لم يتكلم، وأراد أن الاستمرار في الصلاة إنما يصح لمن لم يتكلم فيها إبانة عن إفساد الكلام للصلاة، وهذا كلام مستقل بنفسه غير محمول على قوله: (( من قاء في صلاته فلينصرف وليتوضأ )).

فإن قيل: كيف اعتمدتم هذا الحديث في إيجاب الطهور على من قاء، مع قولكم إنه قد استضعف؟

قيل له: نحن شيدنا به سائر الأدلة التي ذكرناها في نقض الطهارة بالقيء، وسيلان الدم من الأخبار والمقايسات الصحيحة، وغير ممتنع في الضعيف أن يذكر تشييدا للقوي، واعتماده للبناء على الصلاة لا يجوز مع ضعفه إذ هو العمدة عندهم، وهو أيضا عندهم مما يقتضي القياس خلافه.

فإن قيل: روي عن ابن عباس أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رعف في صلاته، توضأ وبنى على ما مضى من صلاته؟

قيل له: يحتمل أن يكون أراد إذا كان دم الرعاف بحيث لا يسيل، فأراد بقوله: توضأ غسل يده من يسير ما أصابه، وذلك لا ينقض الصلاة، ولا الطهارة، ويكون معنى توضأ: غسل يده بإمساسها إياه، ويكون غسل اليد منه استحبابا، ويجوز أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك وسيلان الدم حينئذ غير ناقض للطهارة، وحيث كانت الأفعال في الصلاة مباحة، وهذا أولى، ألا ترى أن حديث ابن أبي مليكة، عن عائشة يقتضي الأمرين جميعا على إيجاب الطهارة من القيء والرعاف، ونسخ الكلام في الصلاة.

صفحة ٣٤٨