ولقد سارت في مرحلتها الأولى - عند الإغريق والإيليين بخاصة - من الفكرة المجردة إلى الفكرة التي تحدد نفسها بنفسها.
30
وفي نهاية العصر الفلسفي (وهو الذي يشعر هيجل أنه عصره الذي يمثل اكتمال تاريخها السابق!) بلغت الفلسفة مرحلة الفكرة الحية الشاملة التي تعرف ذاتها،
31
أو الفكرة التي تفكر في ذاتها، والحقيقة التي تعرف نفسها، كما جاء في نهاية كتابه موسوعة العلوم الفلسفية.
32
لن نستطيع هنا تناول انعكاس المعرفة أو التفكير على ذاته؛ لأن معنى ذلك أن نتناول فلسفته كلها، وكيف تطور مضمونها، أو فض نفسه بنفسه، على حد تعبيره. ويكفي في هذا السياق أن نتعرض للطابع المنهجي لهذه الفكرة، وكيف تحولت العلاقة الذاتية للتفكير إلى منهج. ولا شك أن فكرة «الإيقاع الثلاثي» للجدل الهيجلي (من موضوع مباشر، إلى نقيض موضوع «متوسط»، إلى مركب يؤلف بينهما ويرفعهما معا، والمحافظة عليهما في مستوى أعلى وأكثر خصوبة) قد قفزت إلى ذهن القارئ بعد أن أصبحت ملكا مشاعا للوعي المثقف في العالم كله، وربما مال إلى الظن بأن فكرة هذا الإيقاع الثلاثي هي نفسها فكرة المنهج الجدلي ومساره. غير أن شكل المسار الجدلي ليس هو سر حياته وحيويته، ولو وقفنا الجهد عليه لدارت بنا طاحونة المثلثات الجدلية الشهيرة، كما دارت من قبل طواحين الأشباح المخيفة بالفارس الطيب الحالم (دون كيشوت)، وجنينا على أنفسنا وعلى هيجل، وربما شاركنا عن غير قصد في إثارة رياح الاتهام والسخرية التي طالما هبت عليه؛ ذلك أن قراءة هيجل بمنظار المثلث الشهير قد تدخلنا إلى عالمه، وقد تعيننا على قراءة الوجود الحي في الخارج، والفكر الحي في الداخل، ولكنها لن تضع أيدينا على «الفكرة الحية الشاملة» التي بدأ منها المنهج، ليعود إليها في نهاية المطاف بعد ملحمة الصراع والعناء.
إن بداية هذه الفكرة هي تفكيرها في تفكيرها، وبداية المنهج هي أن التفكير في التفكير يتولد عنه رفعه (نفيه أو سلبه) لنفسه وتوسعه في معرفة نفسه. بعبارة أوضح، يكون نقيض الموضوع هو رفع الموضوع، ويكون المركب هو الوحدة الجديدة التي تؤلف بينهما، وكلها لحظات ضرورية في «التطبيق الذاتي» للفكرة الحية الشاملة، أي لفكرة الفكرة، أو التفكير في التفكير، أو وعي الوعي (العقل أو الروح) لذاته.
33
ربما تبين لنا الآن أن هيجل يضع على كاهل فكرته تجربة الفلسفية كلها (ربما باستثناءات مادية وواقعية قليلة)، وهذه التجربة تنطق بأن العقل نفسه هو الذي يولد تناقضاته مع نفسه، وتبريراته أو «تأسيساته» لنفسه. بهذا نجد أنفسنا أمام الاستعمال المزدوج لما سميناه بالتفكير في التفكير، أو التأمل الذاتي، أو انعكاس الفكر والوعي والعقل على مرآة ذاته؛ فالفكرة تحمل نفيها في داخلها، مصداقا لقول هيجل في كتابه «علم المنطق»: «إن ما تنمو به الفكرة نفسها وتتطور، هو النفي (أو السلب) المعطى قبل ذلك، وهو الذي تطويه في ذاتها، وهذا هو الذي يكون الجدل الحقيقي،
صفحة غير معروفة