784

ثم قال سبحانه على سبيل الحث والترغيب: { من ذا الذي يقرض الله } وينفق في سبيله من أكرم أمواله { قرضا حسنا } بلا شوب المن والأذى، وشين السمعة والرياء طلبا لمرضاته سبحانه { فيضاعفه له } أي: يضاعف له إخلافه وإعواضه في الدنيا كرامة عليه، وفضلا { و } مع ذلك { له } في الآخرة { أجر كريم } [الحديد: 11] وفوز عظيم لا فوز أعظم منه وأكرم، وهو التحقيق بمقام الرضا والتسليم، والاستغراق بمطالعة وجه الله الكريم.

اذكر يا أكرم الرسل على سبيل التبشير { يوم ترى } أيها المعتبر الرائي { المؤمنين } الموحدين الموقنين، المخلصين { والمؤمنات } أيضا كذلك { يسعى نورهم } أي: نور يقينهم وعرفانهم { بين أيديهم } أي: أمامهم وقدامهم { وبأيمانهم } إذ إتيان الكرامة إنما هو من هاتين الجهتين، فيقول لهم حينئذ من يتلقاهم من الملائكة: { بشراكم اليوم } دخول { جنات } متنزهات العلم والعين والحق { تجري من تحتها الأنهار } أي: أنههار المعارف والحقائق لا بحسب وقت دون وقت، بل { خالدين فيها } دائمين { ذلك } أي: الخلود في الجنة الموعودة { هو الفوز العظيم } [الحديد: 12] لا فوز أعظم منه عند المكاشفين.

[57.13-15]

ثم عقب سبحانه وعد المؤمنين بوعيد المنافقين فقال أيضا على وجه التذكير: { يوم يقول المنافقون } المبطلون المستمرون على النفاق مع أهل الحق { والمنافقات } أيضا كذلك { للذين آمنوا } حين يرونهم { يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } [الحديد: 12] { انظرونا } أيها السعداء المحقون، والتفتوا نحونا { نقتبس من نوركم } إذ نحن في ظلمة شديدة { قيل } لهم حينئذ من قبل الحق على سبيل التوبيخ والتقريع: { ارجعوا ورآءكم } أي: إلى دار الاعتبار والاختبار { فالتمسوا نورا } واقتبسوا من مشكاة النبوة والولاية بامتثال الأوامر والنواهي الموردة من عنده سبحانه على رسله، وبالحكم والأسرار والصادرة من ألسنة أولي العزائم الصحيحة، والمنجذبين نحو الحق من طريق الفناء فيه بالموت الأرادي، واعلموا أن اقترافه واقتباسه إنما هو في دار العبرة والغرور، لا في دار الحضور والسرور.

وبعدما جرى ما جرى { فضرب } وحيل حينئذ { بينهم } أي: بين المؤمنين والمنافقين { بسور } حائط حائل { له } أي: للسور { باب } مفتوح يدخل منه المؤمنون { باطنه } أي: باطن الباب { فيه الرحمة } النازلة من قبل الحق بمقتضى اسم الرحمن على أهل الإيمان والعرفان { وظاهره } أي: ظاهر الباب { من قبله } سبحانه بمقتضى اسمه المنتقم { العذاب } [الحديد: 13] النازل على أهل النفاق والطغيان.

{ ينادونهم } أي: المنافقون المؤمنون حين ستروا عن أعينهم، وبقوا في الظلمة والعذاب محرومين قائلين متضرعين: { ألم نكن معكم } أيها الرفقاء في دار الدنيا مسلمين منقادين لأحكام الإسلام، ممتثلين لأوامر الكلام ونواهيه أمثالكم { قالوا } أي: المؤمنون في جوابهم من وراء الحائل: { بلى } أنتم معنا ظاهرا { ولكنكم فتنتم أنفسكم } بالنقاق والشقاق حسب باطنكم { و } مع ذلك { تربصتم } وانتظرتم بالمؤمنين المقت والدوائر { وارتبتم } ترددتم وشككتم في حقية الدين القويم، وظهوره على الأديان كلها { و } بالجملة: { غرتكم الأماني } الأهوية الفاسدة، والآراء الباطلة مدى العمر، فانتظرتم بالمؤمنين

ريب المنون

[الطور: 30]، وكنتم على أمانيكم هذه وتطيراتكم { حتى جآء أمر الله } الذي هو الموت، فمتم منافقين مخادعين { و } بالجملة: { غركم بالله الغرور } [الحديد: 14] الذي هو شياطين أمارتكم وأمانيكم، وتسويلات نفوسكم وقواكم.

وبعدما وقع ما وقع { فاليوم } الذي تبلى السرائر فيه { لا يؤخذ منكم } أيها المنافقون المخادعون { فدية } تفدون بها؛ لتخليصكم من العذاب لا منكم أيها المنافقون { ولا من } إخوانكم { الذين كفروا } مجاهرين مصرين على ما هم عليه بلا مبالاة إلى الدين والدعوة، وبالجملة: { مأواكم } أي: محل رجوعكم وقراركم اليوم جميعا؛ أي: { النار } المعدة المسعرة لكم أيها المنافقون بالكفر، والمجاهرون به { هي مولاكم } أي: النار أولى بكم، وأليق بحالكم { و } بالجملة: { بئس المصير } [الحديد: 15] والمرجع النار المعدة للكفار الأشرار.

[57.16-19]

صفحة غير معروفة