785

ثم قال سبحانه على سبيل الحث والترغيب، والتمنن والتشويق: { ألم يأن } أي: لم يقرب الوقت، ولم يحضر الأوان { للذين آمنوا } بوحدة الحق، وبكمالات أسمائه وصفاته { أن تخشع } وتخضع وتلين وترق { قلوبهم } التي هي وعاء الإيمان والعرفان { لذكر الله } المستجمع لعموم الأسماء والصفات، المسقط لجميع الإضافات { وما نزل } سبحانه في كتابه المبين لطريق توحيده { من الحق } الحقيق بالامتثال والاتباع من الأوامر والنواهي الموردة فيه، المتعلقة لتهذيب الظاهر والباطن، والرموز الإشارات المصفية للسر عن التفات إلى ما سوى الحق.

{ و } بالجملة: { لا يكونوا } - التفسير جرى على رواية رويس - (ولا تكونوا) أيها المؤمنون في الإعراض عن كتاب الله، والانصراف عما فيه من الحكم والمصالح { كالذين أوتوا الكتاب من قبل } وهم اليهود والنصارى { فطال عليهم الأمد } أي: مضى الزمان بينهم وبين أنبيائهم { فقست قلوبهم } عن الإيمان، مع أن الكتب بين أظهرهم { وكثير منهم فاسقون } [الحديد: 16] خارجون عن دينهم، تاركون ما في كتابهم من الأحكامم من فرط قساوتهم وغفلتهم، فلكم ألا تكونوا أمثالهم مع نبيكم ودينكم وكتابكم.

{ اعلموا } أيها المؤمنون الموحدون { أن الله } المطلع على قابليات عباده واستعداداتهم الفطرية { يحيي الأرض } أي: أراضي استعداداتكم بماء المعارف الحقائق، والمكاشفات والمشاهدات { بعد موتها } بالجهل والغفلة الناشئة من ظلمات الطبيعة والهيولى، وبالجملة: { قد بينا } وأوضحنا { لكم الآيات } الدالة على هدايتكم وتكميلكم في القرآن العظيم { لعلكم تعقلون } [الحديد: 17] رجاء أن تتأملوا فيها، وتتعظوا بها، وتفهموا إشاراتها، وتعتبروا منها، وتتفطنوا بما فيها من السرائر المرموزة والحكم المكنونة.

ومن علامات تعقلكم واتعاظكم: الصدق بمزخرفات الدنيا، والتقرب بها نحو المولى { إن المصدقين } أي: المتصدقين { والمصدقات } أي: المتصدقات { و } هم الذين { أقرضوا الله قرضا حسنا } خالصا عن شوب المن والأذى، طالبا لمرضاته سبحانه { يضاعف لهم } صدقاتهم في النشأة الأولى { ولهم أجر كريم } [الحديد: 18] في النشأة الأخرى.

{ و } بالجملة: { الذين آمنوا بالله ورسله } وأخلصوا في إيمانهم، وأكدوه بصوالح أعمالهم وإحسانهم { أولئك } السعداء المقبولون { هم الصديقون } المتبالغون في الصدق، والمقصورون على الإخلاص، المتمكنون في منهج حق اليقين { والشهدآء } الكشافون المشاهدون، الحاضرون { عند ربهم } المستغرقون بمطالعة لقائه { لهم } في النشأة الأخرى { أجرهم ونورهم } الموعود لهم من قبل الحق على وجه لا مزيد عليه { و } المسرفون المفرطون { الذين كفروا } بوحدة ذاتنا { وكذبوا بآياتنآ } الدالة على استقلالنا في تصرفاتنا عتوا وعنادا { أولئك } الأشقياء المردودون هم { أصحاب الجحيم } [الحديد: 19] أي: ملازموها وملاصقوها، لا نجاة لهم منها.

[57.20-21]

{ اعلموا } أيها المكلفون المعتبرون { أنما الحيوة الدنيا } أي: ما الحياة المستعارة الدنيوية، وما حاصلها وجل متاعها إلا { لعب } مزخرف باطل في نفسها، يلعب بها أهل الغفلة والحجاب، ويتعبون بها أنفسهم بلا طائل { ولهو } يلهيهم عما يهمهم ويعينهم من الحياة الأزلية الأبدية ولوازمها { وزينة } زينها لهم شياطين قواهم وأمانيهم من المطاعم الشهية، والملابس البهية، واللذات الوهمية، والشهوات البهيمية { وتفاخر بينكم } بالمال والجاه والثروة، والسيادة بالأنساب والأحساب { وتكاثر في الأمول والأولد } بالمظاهرة والمعاونة، وتكثير العدد والعددد والعدد، والعقارات والتجارات، والمواشي والزراعات إلى غير ذلك من المزخرفات الفانية التي لا قراره لها ولا مدار، بل مثلها { كمثل غيث } نزل وأنبت إنباتا { أعجب الكفار } أي: الزراع { نباته } من كثرته ونضارته وكثفاته { ثم يهيج } يجف وييبس بآفة وعاهة { فتره مصفرا } بعدما كان مخضرا في كمال البهجة والنضارة { ثم يكون حطما } هشيما تذروه الرياح حيث شاءت بلا فائدة ولا عائدة.

{ و } مع هذه الخسارة الحرمان في النشأة الأولى لأهل الغفلة والخذلان يكون لهم { في الآخرة } المعدة للجزاء { عذاب شديد } لاشتغالهم بالدنيا وما فيها { و } بالجملة: { مغفرة } ستر ومحو لذنوب أصحاب المعاملات، ناشئة { من الله } الغفور الرحيم بمقتضى لطفه، وسعة رحمته وجوده { ورضون } منه سبحانه لأرباب القلوب والمكاشفات خير من الدنيا وما فيها بأضعافها وآلافها عند من تحقق تربية الإنسان، وسعة قلبه المصور على صور عرش الرحمن { و } بالجملة: { ما الحيوة الدنيآ } عند الأحرار البالغين بدرجة الاعتبار والاستبصار { إلا متع الغرور } [الحديد: 20] ومخائل الخديعة والزور، ومن اغتر بها ولعب بما فيها فقد استحق الويل والثبور، وحرم عليه الحضور والسرور.

ومتى سمعتم أيها المؤمنون المعتبرون حال الدنيا ومآلها، وحال العقبى وما يترتب عليها { سابقوا } سارعوا، وبادروا بوفور الرغبة والرضا { إلى } تحصيل أسباب { مغفرة } مرجوة { من ربكم } الذي رباكم على فطرة الهداية والتوحيد { و } وسائل دخول { جنة } وسيعه فسيحة { عرضها كعرض السمآء والأرض } بحسب متفاهم العرف، وإلا فلا يكاد سعة الجنة وعرش الرحمن قلب الإنسان الكامل، كما يشهد به قلب العارف المحقق، المتحقق بمقام القلب الذي هو وعاء الحق، المنزه عن مطلق المقادير والتقادير { أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } على وجه الإخلاص، وأكدوا إيمانهم وإخلاصهم بالرضا والتسليم بعموم ما جرى عليهم من القضاء، وفوضوا أمورهم كلها إلى المولى حتى صار علمهم منتهيا إلى العين، وعينهم إلى الحق.

{ ذلك } التحقق والانتهاء { فضل الله } بلا سبق شيء يوجبه ويجبله، وعبودية يستحقه، بل { يؤتيه من يشآء } عناية منه سبحانه، وإحسانا ناشئا عن محض الإرادة والاختيار، وكيف { والله } الغني في ذاته، المستغني مطلقا عن عبادة مظاهره وأظلاله { ذو الفضل العظيم } [الحديد: 21] والكرم العميم، يمن على من يشاء من عباده بمقتضى سعة رحمته وجوده حسب علمه المحيط باستعداداتكم وقابلياتهم.

صفحة غير معروفة