تفسير الجيلاني
ومن تصرفاته المتقنة في ملكه على وفق حكمته أنه { يولج } ويدخل { الليل } أي: بعض أجزائه { في النهار } في فصل الربيع والصيف { ويولج النهار } أي: بعض أجزائه { في الليل } في فصل الخريف والشتاء؛ مصلحة لمعاش عموم الحيوانات، ومحافظة لها من كلا طرفي الإفراط والتفريط { و } بالجملة: { هو عليم بذات الصدور } [الحديد: 6] أي: بمكنونات ضمائركم، ومقتضيات استعداداتكم.
وبعدما علم واطلع سبحانه منكم ومن استعداداتكم وقابلياتكم
ما ليس لكم به علم
[النور: 15]، { آمنوا } أي: أنقادوا وأطيعوا { بالله } المطلع على عموم مصالحكم { ورسوله } النائب عنه، المبعوث من لدنه؛ لإرشادكم وتكميلكم { وأنفقوا } بمقتضى الأمر الإلهي المنبئ عن محض الحكمة والمصلحة { مما جعلكم مستخلفين فيه } أي: من أموالكم التي استخلفكم الله عليها؛ إذ هي كلها لله حقيقة، لا لكم كما زعمتم.
فعليكم أن تمتثلوا بأوامر الله سبحانه بالإنفاق والإيثار الذي يزكي أنفسكم من الميل إلى مزخرفات الدنيا، العائقة عن الوصول إلى جنة المأوى التي هي مقام التسليم والرضا { فالذين آمنوا منكم } وأكدوا إيمانهم بالإخلاص في عموم الأعمال والأفعال والأخلاق { وأنفقوا } بلا شوب المن والأذى، وشين السمعة والرياء { لهم } سبب إيمانهم وإنفاقهم على وجه الإخلاص { أجر كبير } [الحديد: 7] لا أجر أكبر منه وأعلى.
ثم قال على طريق الحث والإلزام المشعر بالوعيد: { وما لكم } أي: أي شيء عرض لكم، وطرأ عليكم { لا تؤمنون بالله } الواحد الأحد الصمد، المستحق للإطاعة والإيمان { و } لا سيما { الرسول } المبلغ الكامل في الهداية والتكميل { يدعوكم } بمقتضى الوحي الإلهي المنزل من عنده { لتؤمنوا بربكم } مع تأييده بالمعجزات الساطعة، والحجج القاطعة الدالة على صدقه في دعوته للإيمان، ورسالته إلى كافة الأنام { و } الحال أنه { قد أخذ } الله العليم العلام باستعداداتكم { ميثاقكم } وعهدكم بالإيمان والعرفان في مبدأ فطرتكم، ومنشأ جبلتكم، مع أنه جبلكم حين قدر خلقكم، وأنشأ فطرتكم على جبلة التوحيد والإيمان، فماذا يمنعكم عنه { إن كنتم مؤمنين } [الحديد: 8] بسبب وموجب، فهذا موجب لا مزيد عليه؟!
إذ { هو } سبحانه الحكيم العليم { الذي ينزل } من مقام فضله وجوده { على عبده } محمد صلى الله عليه وسلم { آيات بينات } مبينات واضحات { ليخرجكم } الله ورسوله { من الظلمات } المتراكمة المتكاثفة من لوازم الطبيعة، ولواحق الحصول { إلى النور } أي: نور الوجود البحت، الخالص عن مطلق القيود { و } اعلموا أيها المكلفون { إن الله بكم } بإرادة إخراجكم من ظلمات الجهل إلى نور اليقين { لرءوف } مشفق عطوف { رحيم } [الحديد: 9] متناه في الرحمة.
[57.10-12]
{ وما لكم ألا تنفقوا } أي: أي شيء يمنعكم عن الإنفاق { في سبيل الله } تقربا إليه، وطلبا لمرضاته، وامتثالا لأوامره { ولله } الغني بذاته، المستغني عن مطلق مظاهره ومصنوعاته { ميراث السموت والأرض } أي: العلويات والسفليات والممتزجات، وهو في ذاته غني عن إنفاقكم وبذلكم، إلا أنه { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح } أي: أنفق قبل فتح مكة ممتثلا لأمر الله، مجهدا في تقوية دين الإسلام وترويجه وظهوره على الأديان الباطلة، وتكثير أهل الحق وتغليبه { و } مع إنفاقه على المقاتلين في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة توحيده { قاتل } أيضا بنفسه، وسعى ببذل المال والروح في طريق الحق وترويجه { أولئك } السعداء المنفقون المقاتلون لهم { أعظم درجة } وأكرم مثوبة ومقاما عند الله { من } المؤمنين { الذين أنفقوا من بعد } أي: بعد فتح مكة وغلبة المسلمين، وظهور دين الإسلام { وقاتلوا } بعده مع كثرة المقاتلين.
{ و } بالجملة: { كلا وعد الله الحسنى } أي: وعد الله كلا من المسلمين المبادرين، أو المبطئين الوعد الحسنى، والدرجة العليا، والمثوبة العظمة حسب سعيهم واجتهادهم في تقوية الشرع، وترويج الدين القويم { و } بالجملة: { الله } المطلع بسرائر عباده { بما تعملون } أي: بعموم أعمالكم وأحوالكم خالصها ومشوبها، صالحها وفسادها { خبير } [الحديد: 10] بصير لا يعزب عن حضرته شيء منها، يجازيكم على مقتضى خبرته.
صفحة غير معروفة