42

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

رقم الإصدار

الأولى

قَامَ عُمَيْرٌ مِنَ المَسْجِدِ وَنِيرَانُ الحِقْدِ تَتَأَجَّجُ(١) فِي فُؤَادِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَطَفِقَ يُعِدُّ العُدَّةَ لِإِنْفَاذِ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَخْشَى ارْتِيَابَ أَحَدٍ فِي سَفَرِهِ؛ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَوِي الأَسْرَى مِنَ القُرْشِيِّينَ كَانُوا يَتَرَدَّدُونَ عَلَى ((يَثْرِبَ)) سَعْيًا وَرَاءَ افْتِدَاءِ أَسْرَاهُمْ.

***

أَمَرَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ بِسَيْفِهِ فَشُحِذَ وَسُقِيَ سُمًّا ...

وَدَعَا بِرَاحِلَتِهِ فَأُعِدَّتْ وَقُدِّمَتْ لَهُ؛ فَامْتَطَى مَتْنَهَا(٢) ...

وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ المَدِينَةِ، وَمِلْءُ بُرْدَيْهِ الضَّغِينَةُ(٣) وَالشَّرُّ.

بَلَغَ عُمَيْرٌ المَدِينَةَ وَمَضَى نَحْوَ الْمَسْجِدِ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا غَدَا قَرِيبًا مِنْ بَابِهِ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَنَزَلَ عَنْهَا.

***

كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِذْ ذَاكَ - جَالِسًا مَعَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ قَرِيبًا مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، يَتَذَاكَرُونَ ((بَدْرًا)) وَمَا خَلَّفَتْهُ وَرَاءَهَا مِنْ أَسْرَى قُرَيْشٍ وَقَتْلَاهُمْ، وَيَسْتَعِيدُونَ صُوَرَ بُطُولَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ، وَمَا أَرَاهُمْ فِي عَدُوِّهِمْ مِنَ النَّكَايَةِ(٤) وَالخِذْلَانِ.

فَحَانَتْ مِنْ عُمَرَ الْتِفَاتَةٌ؛ فَرَأَى عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ يَنْزِلُ عَنْ رَاحِلَتِهِ، وَيَمْضِي نَحْوَ الْمَسْجِدِ مُتَوَشِّحًا(٥) سَيْفَهُ، فَهَبَّ مَذْعُورًا وَقَالَ:

هَذَا الكَلْبُ عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ ...

(١) تتأجج: تشتعل وتضطرم.

(٢) امتطى متنها: ركب ظَهْرَها.

(٣) الضغينة: الحقد والكره.

(٤) النكاية: القَهْر والإصابة بالقَتْل والجَرْح.

(٥) متوشّحًا سيفه: متقلدًا سيفه.

46