1172
يحتملُ أنهُ يريدُ قيامَ جميعِ لياليهِ، وأنَّ منْ قامَ بعضَها لا يحصلُ لهُ ما ذكرهُ منَ المغفرةِ وهوَ الظاهرُ، وإطلاقُ الذنبِ شامل للكبائرِ والصغائرِ. وقالَ النوويُّ (^١): المعروف أنهُ يختصُّ بالصغائرِ، وبهِ جزمَ إمامُ الحرمينِ، ونسبَهُ عياضٌ لأهلِ السنةِ، وهوَ مبنيٌّ على أنَّها لا تغفرُ الكبائرُ إلَّا بالتوبةِ، وقدْ زادَ النسائيُّ (^٢) في روايته: "ما تقدَّمَ وما تأخرَ". وقدْ أخرجَها أحمدُ (^٣)، وأخرجتْ منْ طريقِ مالكٍ. وتقدَّمَ معنَى مغفرةِ الذنبِ المتأخرِ. والحديثُ دليلٌ على فضيلةِ قيامِ رمضان، [والظاهر] (^٤) أنهُ يحصلُ بصلاة الوترِ إحدَى عشْرةَ ركعةً كما كانَ ﷺ يفعلُه في رمضانَ وغيرِه كما سلفَ في حديثِ عائشةَ (^٥)، وأما التراويحُ على ما اعتِيدَ الآنَ فلمْ تقعْ في عصرِه ﷺ، إنَّما كانَ ابتدَعَها عمرُ في خلافتِه (^٦)، وأمرَ

(^١) في "شرح صحيح مسلم" (٦/ ٤٠).
(^٢) في "الكبرى" - كما في "تحفة الأشراف" (١١/ ٢٦ - ٢٧) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(^٣) في "المسند" (١/ ٥٢٩) لكن ليس عنده: "وما تأخر"، فلعلَّ هذا راجع لاختلاف نسخ المسند.
ولمزيد البحث في المسألة انظر: "معرفة الخصال المكفرة للذنوب المقدَّمَة والمؤخَّرة" للحافظ ابن حجر. تحقيق وتعليق: جاسم الفهيد الدوسري (ص ٥٦ - ٦٧).
(^٤) في (ب): "والذي يظهر".
(^٥) رقم الحديث (٢٠/ ٣٥٢) من كتابنا هذا.
(^٦) اعلم أن صلاة القيام مشروعة بنص حديث رسول الله ﷺ فعن أبي هريرة ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمةٍ. فيقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك؛ ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر على ذلك". أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ١١٣ - ١١٤)، والبخاري (٤/ ٢٥٠ - مع الفتح)، ومسلم (١٧٤).
• كما أن صلاة القيام جماعة مشروعة بنص حديث رسول الله ﷺ.
فعن عائشة ﵂ أخبرت، أن رسول الله ﷺ: خرج ليلةً من جوف الليل فصلَّى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلَّى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدَّثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة. فخرج رسول الله ﷺ فصلَّى بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهَّد ثم قال: "أما بعد فإنه لم يخف عليَّ مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها".
فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. أخرجه البخاري (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ - مع الفتح)، ومسلم (١٧٨). =

4 / 147