الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج

شوقي عبد الحكيم ت. 1423 هجري
171

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج

تصانيف

ياما بكيت عليك يا صديق كما بكى الأعمى على الطريق

ويحتفي هذا الموال التراجيدي الملتهب الأحمر بالصداقة والصحبة، مفردا لها مكانا رحبا خاصا، وهو كما سبق أن ذكرنا ملمح عربي ضارب الجذور، بل إن الصداقة تتحدد منذ النصوص المبكرة لملحمة جلجاميش - 3 آلاف ق.م - منذ ذلك البحث المضني للبطل الإلهي الخارق «جلجاميش» عن الصداقة، حتى إذا ما اختلقت الآلهة خصمه أو نقيضه البري أو الوحشي الحيواني «أنكيدو»، الذي تربى مع حيوانات الغابة، و«شعر رأسه كرأس امرأة».

والذي خلقته الآلهة بقصد منازلة جلجاميش - المدني المتحضر - والصراع معه مما يشغل جلجاميش عن أوره أو مدينته، بحيث ينشغل كلاهما جلجاميش وأنكيدو في صراعهما العملاقي وتنعم المدينة وأهلها بالأمان.

وما إن تصطحب عاهرة أورورو أنكيدو وتعود به إلى المدينة، بعد أن ضاجعها سبعة أيام لمنازلة جلجاميش، أمام بيوت البغايا المقدسات، ويقدم جلجاميش على منازلته والفوز به؛ حتى يتراجع مفضلا التقرب إليه وعرض صداقته، أو إحلال صداقتهما محل البغضاء والاقتتال والموت.

وحين ينجح جلجاميش في صداقة أنكيدو، ويخوض البطلان الصديقان رحلتهما العبورية - الكونية - استكشافا للمجهول ومصارعة الشر، إلى أن يمرض أنكيدو ولا يغفل جلجاميش عن تطبيبه والسهر عليه إلى أن يموت، فيمضي يبكيه ويرتدي السواد عليه، بل هو يرثيه ويندبه، ويروح يؤرقه السؤال الكبير عن الموت الذي ذهب بحياة صديقه وصفيه أنكيدو.

فالصداقة ونشدانها كانت على الدوام ملمحا تراثيا عربيا، وقاسما مشتركا لكلا الأدبين العربي الكلاسيكي والشعبي الفولكلوري.

وكثيرا ما يتحسر قائل الموال الأحمر على الزمن والدهر الذي ذهب بحياة أفاضل الناس الكاملين، فأنهى الأصدقاء عن آخرهم:

زمانا فض كمل

ومشيتها ملاجي ملاجي

وصبحت أدور على ناس كمل

صفحة غير معروفة