وبين مدركات أبصار الجمهور- حيث لم يتدرجوا من درجة الحس- موازيات، استعاروا عنها الألفاظ المطلقة. فالعلي المطلق، هو الله إذ لا يمكن قسمة الموجودات إلى درجات متفاوتة، الا والحق سبحانه في الدرجة العليا كما انقسم الموجود: إلى سبب ومسبب والله فوق الكل إذ هو مسبب الأسباب، وكذا: إلى حي وميت والحي، إلى درجاته [1] المختلفة فالله حي بذاته لا بحياة قائمة به [2] ، إلى غير ذلك كذا ذكره بعض العلماء. فعلى هذا، لما كان العلو، قسمين: علو مكان وعلو مكانة والله تعالى متعال عن المكان لا عن المكانة، فمعنى العبارة ان الله تعالى هو المتعالي عن رتبة الخلق بلا تباعد مكان منهم، بل هو تعالى لا يخلو عنه مكان مع انه ليس في شيء من المكان.
وأنا أقول: النظر العرفاني، يحكم بأن كل عال في درجات الاعتلاء، فانما علوه بالله لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، فلله العلو بذاته لا بغيره. والعلو بذاته، يستلزم «العلو الذاتي» إذ ليس درجة من الدرجات الوجودية الا وقد أحاط بها «والله بكل شيء محيط» فهو مع كل عال في علوه وله العلو الأعلى فوق كل عال، فليس له «العلو الإضافي» إذ الكل مستهلك بالنسبة إليه فكيف يتحقق الإضافة؛ فمعنى الكلام:
ان الله عز شأنه متعال عن درجة خلقه بالقهر لها والإحاطة بكلها من دون تباعد منهم بأن تترتب الدرجات إلى أن [3] ينتهي إليه سبحانه حتى تكون نسبة الأشياء إليه متفاوتة في القرب والبعد بل هو سبحانه محيط بجميع الأشياء واستوى بالنسبة إليها «فالعلو الذاتي» هو أن يكون العلي مع كونه فوق الكل
صفحة ٨٨