شرح نهج البلاغة
محقق
محمد عبد الكريم النمري
الناشر
دار الكتب العلمية
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٨ هجري
مكان النشر
بيروت
من أحق بالخلافة بعد النبي ؟ لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشتغل علي عليه السلام بغسله ودفنه ، وبويع أبو بكر ؛ خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعباس وعلي عليه السلام لإجالة الرأي ، وتكلموا بكلام يقتضي الاستنهاض والتهييج ، فقال العباس رضي الله عنه : قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم ، ولا لظنة نترك آراءكم ، فأمهلونا نراجع الفكر ؛ فإن يكن لنا من الإثم مخرج يصر بنا وبهم الحق صرير الجدجد ، ونبسط إلى المجد أكفا لا نقبضها أو نبلغ المدى ، وإن تكن الأخرى ، فلا لقلة في العدد ولا لوهن في الأيد ، والله لولا أن الإسلام قيد الفتك ، لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلي .
فحل علي عليه السلام حبوته ، وقال : الصبر حلم ، والتقوى دين ، والحجة محمد ، والطريق الصراط . أيها الناس شقوا أمواج الفتن . . . الخطبة . ثم نهض إلى منزله وافترق القوم . وقال البراء بن عازب : لم أزل لبني هاشم محبا ، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم ، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول ، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند النبي صلى الله عليه وسلم في الحجرة ، وأتفقد وجوه قريش ، فإني كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر ، وإذا قائل يقول : القوم في سقيفة بني ساعدة ، وإذا قائل آخر يقول : قد بويع أبو بكر ، فلم ألبث ؛ وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه ، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه ، شاء ذلك أو أبى ؛ فأنكرت عقلي ، وخرجت أشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم ، والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة . فقال العباس : تربت أيديكم إلى آخر الدهر ، أما إني قد أمرتكم فعصيتموني . فمكثت أكابد ما في نفسي ، ورأيت في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التيهان وحذيفة وعمارا ، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين .
وبلغ ذلك أبا بكر وعمر ، فأرسلا إلى أبي عبيدة وإلى المغيرة بن شعبة ، فسألاهما عن الرأي ، فقال المغيرة : الرأي أن تلقوا العباس فتجعلوا له ولولده في هذه الإمرة نصيبا ، ليقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب .
صفحة ١٣٧