شرح المقاصد في علم الكلام
الناشر
دار المعارف النعمانية
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
1401هـ - 1981م
مكان النشر
باكستان
تصانيف
الخامس أن الجسم الواحد إذا انفصل إلى جسمين فإما أن تكون مادة هذا هي مادة ذاك بعينها وهو مع كونه ضروري البطلان يستلزم أن يكون الواحد بالشخص في حيزين ومتصفا بجسميتين وإما غيرها وحينئذ إما أن تكون المادتان قد كانتا موجودتين عند الاتصال فيشمل الجسم على أجزاء بالفعل بل يكون له مواد غير متناهية بحسب قبول الانقسام بل يتألف من أجسام لا تتناهى ضرورة أن كل مادة تستدعي صورة على حدة أو غير موجودتين فيلزم أن يكون انفصال الجسم انعداما له بالكلية لا بمجرد صورته الاتصالية وهو مع بطلانه يبطل مقصود الاستدلال أعني بقاء أمر قابل للاتصال والانفصال وجوابه أن المادتين كانتا موجودتين لكن بصفة الوحدة لوحدة الاتصال والآن بصفة التعدد لتعدده ولا يلزم من تعددها بعد الوحدة انعدامها وافتقارها إلى مادة أخرى لما سبق من أنها استعداد محض ليس بمتصل واحد في نفسه كما ليس بمتعدد وإنما يفرض له ذلك تبعا للصورة فمناط هذا الإشكال وإن أطنب فيه الإمام الرازي راجع إلى الثلاث وههنا إشكال آخر وهو أن المطلوب ثبوت المادة لكل جسم وهذا الدليل لا يتم في الجسم الذي يمتنع عليه الانفصال الانفكاكي كالفلك إذ قبول الانقسام الوهمي لا يستدعي قابلا في الخارج وسيجيء جوابه في فروع الهيولي ( قال وذهب الإشراقيون ) هم قوم من الفلاسفة يؤثرون طريق أفلاطون وما له من الكشف والعيان على طريقة أرسطو وما له من البحث والبرهان ذهبوا إلى أن الجسم متصل واحد في نفسه كما هو عند الحس لا تركيب فيه اصلا لا من أجزاء لا تتجزأ ولا من الصورة والهيولي بل هو مقدار جوهري لا يتغير في ذاته بتبدل المقادير العرضية عليه أعني ما يوجد بحسب ذهاب جوانب الجسم في الجهات ويسمى طولا وعرضا وعمقا مثلا المقدار الذي هو الشمعة لا يتغير عن ذلك القدر بتغير الأشكال وإنما يتغير ذهاب آحاد المقادير في الجهات فيزيد الطول على ما كان وينقص العرض أو بالعكس وكذا العمق وليس الانفصال عبارة عن زوال الاتصال بهذا المعنى أعني المقدار الجوهري بل بالمعنى الذي يعتبر بين المقدارين فلا يمتنع قبوله إياه مع بقائه بذاته ومنشأ الغلط إطلاق لفظ الاتصال على المعنيين والأجسام المتشاركة في الجسمية إنما تختلف في المقادير المخصوصة التي هي بإزاء الجسميات المخصوصة لا في المقدار المطلق الذي بإزاء الجسم المطلق ثم الجسم من حيث قبوله للهيئات المتبدلة عليه ومن حيث حصول الأنواع المختلفة منه يسمى هيولي كما تسمى تلك الهيئات من حيث تواردها عليه صورا واعترضوا على الحجة المذكورة التي هي العمدة في إثبات الهيولي بوجوه
الأول أنه إن أريد بالامتداد والاتصال الجوهر الممتد في الجهات القابل للأبعاد فلا نسلم أنه غير الجسم بالامتداد والاتصال وإن أريد ما يفهمه العقلاء من هذين اللفظين فلا نسلم أنه جوهر بل عرض ودعوى كونه جزأ من حقيقة الجسم وأول ما يدرك من جوهريته غير مسموعة والتمسك بأن ما في الشمعة امتدادا باقيا مع تبدل المقادير عليه ضعيف لأن ذلك هو مطلق الامتداد الباقي بتعاقب خصوصياته من غير ثبوت أمر سوى الخصوصيات كما يقطع ببقاء الشكل عند تبدل الأشكال مع القطع بأنه عارض وبالجملة فلا نسلم أن فيها امتدادا معينا ثابتا لا يتغير أصلا فإن قيل نعني به ذلك الأمر الذي لم ينعدم عند تبدل الأشكال والمقادير وانعدم عند انفصال الشمعة إلى الشمعتين قلنا هو ما يقابل الانفصال من اتصال الأجزاء المفروضة بعضها بالبعض وهو عرض والباقي هو الجسم نفسه وحاصل الكلام أنا لا نسلم أن الاتصال والامتداد بالمعنى الذي يقابل الانفصال ويزول بطريانه جوهر وجزء من الجسم بل لا يعقل منه إلا أمر لا قوام له بنفسه ولا غنى له عن الموضوع فلا يكون إلا عرضا غايته أنه لازم للجسم فعند زواله إلى اتصالين يصير الجسم جسمين حتى لو أمكن زواله لا إلى اتصالين انعدم الجسم بالكلية وإما بمعنى الأمر الذي شأنه الامتداد في الجهات وصحة فرض الأبعاد فلا نسلم أنه غير الجسم كيف ولا يعقل منه إلا أمر قائم بنفسه متحيز بذاته مستغن في قوامه عن المحل والتعبير عنه بالهوية الاتصالية أو المتصل بالذات أو نحو ذلك من العبارات لا يفيد
الثاني أن الامتداد طبيعة واحدة فيمتنع كون بعض أفراده أو أصنافه جوهرا والبعض عرضا وإن وقع الاصطلاح على تسمية بعض الجواهر بذلك فلا نسلم أن في المتحيز جوهرا غير نفس الجسم
صفحة ٣٠٩