حكم نسيان القرآن الكريم
تكلم العلماء في حكم نسيان القرآن الكريم: فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة؛ إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)، متفق عليه.
فهذه إشارة إلى أهمية تعاهد القرآن بالمراجعة باستمرار، وقوله: (الإبل المعقلة)، أي: المربوطة بالعقال.
قال ابن عبد البر في التمهيد: وقد جاء عنه ﷺ وعيد شديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، كل ذلك حض منه على حفظه والقيام به.
وعن سعد بن عبادة عن النبي ﷺ أنه قال: (من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم)، قال في التمهيد: معناه عندي: منقطع الحجة، والله تعالى أعلم.
وهذا الحديث أحسبه ضعيفًا.
وقال ابن عيينة في معنى حديث سعد بن عبادة هذا وما كان مثله: إن ذلك في ترك القرآن وترك العمل بما فيه، وإن النسيان أريد به ههنا الترك، نحو قوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية:٣٤]، قال: وليس من اشتهى حفظه وتفلت منه بناسٍ له، إذا كان يحل حلاله ويحرم حرامه، قال: ولو كان كذلك ما نسي النبي ﷺ منه شيئًا، وقد نسي، قال الله ﷿: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦ - ٧].
والصحابة رضي الله تعالى عنهم -وهم الذين خوطبوا بهذا الخطاب- لم يكن منهم من يحفظ القرآن كله ويكمله على عهد رسول الله ﵌ إلا قليل منهم، منهم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد الأنصاري، وعبد الله بن مسعود، وكلهم كان يقف على معانيه ومعاني ما حفظ منه، ويعرف تأويله، ويحفظ أحكامه، وربما عرف العارف منهم أحكامًا من القرآن كثيرة وهو لم يحفظ سورها.
قال حذيفة بن اليمان: (تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، وسيأتي قوم في آخر الزمان يتعلمون القرآن قبل الإيمان).
فهنا إشارة إلى أن النسيان ليس المقصود به النسيان من حيث الذاكرة، ولكن المقصود به أساسًا هجر تطبيق القرآن والعمل به.
ولا خلاف بين العلماء أن تأويل قول الله ﷿: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١]، أي: يعملون به حق عمله، ويتبعونه حق اتباعه، قال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله ﷿: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:٢]، يعني: تبعها، فتلا بمعنى تبع.
فنفهم قوله ﷿: «يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ» بقوله في هذه الآية: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:٢]، يعني: اتبعها أو تبعها، فكذلك قوله: «يَتْلُونَهُ»، يعني: يتبعونه ويطبقونه.
18 / 11