188

فزعم في آخر قوله أنهم لا يستطيعون ترك الشرك وقبول الهدى؛ فأبطل حجته وقوله أولا، حين يقول: إنهم إنما يكونون مجبورين على الشرك لو أرادوا الهدى؛ فمنعوا منه وأدخلوا في الردى، فأثبت بهذا القول لهم الفعل، وأقر أنهم يقدرون على فعل مالا يريد الرحمن؛ حتى يجبرهم على غيره من الشأن؛ لأن الإرادة والنية فعل لصاحبهما، ولذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن صاحب النية يعطى بها ويثاب فيها وعليها. وإذا صح أن العباد يفعلون ويريدون ما لا يشاء ربهم، حتى يجبرهم على غير ذلك من فعلهم؛ فقد بطل ما يخرصه الحسن بن محمد من زخرف قوله، وثبت وصح ما يقول به أهل المعرفة بالله من العدل بإقراره.

ثم زعم أن من لم يقدر على ترك الشرك والكفر بربه؛ غير مكره ولا مجبور على ما هو فيه من فعله، وهذا فعين المحال، وأفحش ما يقال به من المقال، وإبطال المعقول، والمكابرة لصحيح العقول. لأن من حيل بينه وبين القيام لسبب من الأسباب؛ فقد جبر على القعود بلا شك ولا ارتياب. وكذلك من أوقدت له نار ثم ألقي فيها، ومنع من التحرف عنها، وحيل بينه وبين الخروج منها؛ فقد جبر وجبل على الإحتراق فيها. وكذلك الطائر إذا قص جناحاه الخافقان؛ فقد حيل بينه وبين ما يريد من الطيران. وكذلك من لم يجعل فيه من الخلق استطاعة فعل؛ فقد حيل بينه وبينه، لا يشك في ذلك عاقلان، ولا يختلف فيه جاهلان.

***

وأما ما سأل عنه من قوله، وكذبه على ملائكة ربه؛ فقال: خبرونا عن الاستطاعة التي تزعمون أن الله جل ثناؤه جعلها في عباده حجة عليهم، وأنها مركبة فيهم ليعملوا أو يتركوا، هل جعلها في الملائكة المقربين أم لا؟ ثم قال: فإن قالوا: نعم، قد جعلها فيهم، وامتن بها عليهم؛ فقولوا لهم: فأنتم إذا لا تدرون عن الملائكة هل بلغت؟! أم لا؟ أم هل أدت ما أمرت بإدائه؟ أم هل قصرت في شيء مما أمرت به؟ إذ تزعمون أنها قادرة على ما تهوى، تاركة لما تشاء.

صفحة ٤٨٥