ثم يعدد أسماء كثير من الآلهة التي اندمجت في رع، لكنه لا يعتبرها آلهة متعددة اندمجت في إله واحد، إنما هي - على حد زعمه - من «مظاهر التجلي المتعددة لذلك الإله»، وهو رأي فيه مفارقة واضحة مع واقع الحقيقة التاريخية، فأصبحت المسألة عنده تشبه ما عليه عقائد الناس اليوم، حيث تؤمن كل طائفة بإله خاص، تزعم أنه إله جميع الطوائف الأخرى بحسبانه الإله العالمي.
ولذلك يمكن الميل إلى آراء أكثر تطابقا مع واقع الأمور ومنطقها، كرأي كل من إيمار وإبوايه، حيث يقولان: إنه قد «حدث ولا سيما لأسباب سياسية، أن قاربوا التوحيد، وإن لم يتوصلوا إليه بالفعل أحيانا، وقد حصل ذلك في حالة حصوله، مكرا وخداعا، بإخضاع الآلهة الآخرين لإله محلي، جعل لهذه الغاية أعلى منهم شأنا وسلطانا، فمن الجلي أن تعدد الآلهة كان أمرا أساسيا، ولم ترض عنه غالبية المؤمنين بديلا.»
84
لذلك ينبه كل من إتيين دريتون وجاك فاندييه، على «أنه يجدر ألا نعتقد بأن عبادة الأسرة الخامسة للشمس كانت شاملة مانعة ... ففي معابد رع ذاتها ما يشهد بعبادة حر ... وحت حر ... إذ إنه لا التوحيد
Mono theisme ، ولا رئاسة إله على آخرين
Henotheisme ، قد استطاعا البقاء في مصر قط، كدين للدولة»
85
أي إن عبادة ثالوث رع (رع وحور وحت حور) لا يمكن اعتبارها توحيدا بالمرة.
وإن كان هذا لا يعني التقليل من شأن ما تركه فكر مصر الديني، فهناك على الأقل أقدم فلسفتين في تفسير الوجود ، في المدرستين الأونية والمنفية، واللتين جادت بهما قرائح أتباع الإلهين رع وفتاح، وما كانا ليصلا إلى عصرنا، أو أن ينالا هذا الشأن الكبير في مصر القديمة، لولا المقدرات السياسية، التي حتمت سيادة كل من مدينتي منف وأون خلال عهدين متعاقبين، من عهود السيادة في الدولة القديمة، بحيث استطاعتا أن تتمتعا بشهرة واسعة، طغت تماما على قصص وتفسيرات كثيرة، لم يكتب لها البقاء والصمود أمام مدرستين مدعومتين بالقوة السياسية.
إن النظرة المقارنة، لنظريتي مدرستي أون ومنف، مع عقائد وفلسفات الأمم التي جاورت مصر في ذاك العهد وتماست معها ثقافيا، وما تلاه من عصور؛ لتوضح مدى التشابه الشديد بين فلسفات المصريين، وبين فلسفات الشعوب المجاورة في حوض المتوسط، وعقائدها في الوجودين: الكوني والكائني، شبها يبلغ الحد الكافي لإلقاء بذور التكهن في العقل، باحتمال يذهب إلى اعتبار الفلسفة المصرية الأصل الأول والأصيل لعقائد هذه الأمم وفلسفاتها.
صفحة غير معروفة