وقالوا: ومهما بلغ الإنسان من استقلاله عن العالم الذي يحيط به، واستغنائه عن كل شيء مكتفيا بنفسه فإنه لا بد متصل ببني جنسه في كثير أو قليل، وهو بما ركب فيه من نفس عاقلة يدرك أنه جزء من الكون، وأنه مضطر لذلك إلى العمل من أجل الجميع، ويدرك كذلك أن سائر الكائنات العاقلة لا تختلف عنه نوعا ولا تقل عنه فيما لها من حقوق، وأنهم يخضعون لنفس القانون العقلي الذي يخضع له هو، ويدرك أيضا أن الطبيعة إنما أرادت بهؤلاء جميعا أن يعيشوا معا في مجتمع واحد، يعمل الواحد من أجل الآخر، فقد جبلت في الإنسان غريزة الاجتماع الذي لا بد لنشأته وقيامه من شرطين: العدالة والحب بين الأفراد، وبغيرهما لا يرجى لمجتمع دوام البقاء؛ ولذا فلا مندوحة للحكيم أن يصادق الحكماء جميعا، وأن يبادلهم حبا بحب.
ويرى الرواقيون أن هذه الصلة بين أفراد الإنسان لا يجوز أن تقتصر على أبناء الوطن الواحد، فالعالم كله أمة واحدة لا فرق بين رجل ورجل، ولقد تابع زينو بهذا الرأي المدرسة الكلبية متابعة وفية لم يغير في رأيهم شيئا، حتى قيل عن الكتاب الذي ألفه زينو وأسماه «في الدولة» أنه «كتب على ذيل كلب» إشارة إلى أنه تأثر في كتابه هذا آراء الكلبيين خطوة خطوة.
فلم ير الرواقيون مبررا للتفريق بين بني الإنسان في المعاملة ما داموا ينتمون جميعا إلى أصل واحد، ويسيرون إلى غاية واحدة ويخضعون لقانون واحد، وهم أعضاء جسم واحد، فيجب وجوبا لا مفر منه أن نعامل كل إنسان كائنا من كان، معاملة حسنة طيبة، لا نستثني من ذلك العبيد، فهم كذلك جديرون منا بكل عناية وتقدير.
والدين الحق عند الرواقيين هو الخضوع لقوانين الكون وصروفه المقدورة، وهو تلبية حاجات المجتمع وخدمته، والتقوى هي عبادة الآلهة ومحاكاتهم حتى نرتفع إلى ما هم فيه من كمال، هي في صفاء القلب ومضاء العزيمة، فليس الإيمان الصحيح والدين القويم إلا الحكمة والفضيلة، وبعبارة أخرى الدين والفلسفة شيء واحد. •••
ومن هذا ترى أن الرواقيين لم يأتوا بجديد كثير، وإنما اقتبسوا من أقوال من قبلهم، وكانوا قساة في تعاليهم لا ينظرون إلى الأشياء إلا من جانب واحد، وقصروا الفلسفة على الفلسفة التي تتعلق بأنفسهم، فما يهم من الفلسفة عندهم هو الإجابة عن هذا السؤال: «كيف أعيش؟» ومن محاسنهم التي لا شك فيها أنهم رقوا الشعور بالواجب، ودعوا إلى سمو النفس فوق سفاسف الحياة.
ومن متأخري الرواقيين إبكتيتس
Epictetus ، وهو من أكبر معلميهم (50-130م) وقد كان عبدا رقيقا، يحكون أن سيده كان يعذبه يوما وقد لوى رجله فلم يزد إبكتيتس أن يبتسم ويقول في هدوء: «ستكسر رجلي.» فلما كسرت قال في غير جزع: «قلت إنك ستكسر رجلي.» وكان من أهم تعاليمه أن أخلاقنا وسعادتنا إنما تعتمد على قوة المقاومة، وما نجد في هذه الحياة من آلام ليس إلا تمرينا رياضيا نصل به إلى ضبط النفس والإمساك بزمامها.
الفصل الثالث عشر
الأبيقوريون
The Epicureans
صفحة غير معروفة