القوانين المحكمة في الاصول المتقنة
الناشر
دار المحجة البيضاء، 2010
كان هذا إنسانا كان حيوانا ، وليس عدمه معلقا على عدمه ، ومنه قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)(1).
وهذا الاستعمال مبني على قاعدة أهل الميزان حيث يجعلون هذا التركيب لبيان الدليل على العلم بانتفاء المقدم بسبب انتفاء التالي ، ويقولون : إن استثناء نقيض التالي ينتج رفع المقدم بخلاف العكس (2) ، يعني يعلم من انتفاء الحيوانية انتفاء الإنسانية ، ومن انتفاء الفساد انتفاء تعدد الآلهة.
والثاني : ما يفيد تعليق عدم الجزاء على عدم الشرط أيضا مثل : «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (3). فعدم التنجيس وجوده معلق على وجود الكرية وانتفاؤه معلق على انتفائه ، وهذا هو مصطلح أهل العربية ومتعارف لسان أهل العرب ، فظاهر هذا الاستعمال كون الأول سببا للثاني ، والنظر إنما هو الى ظاهر الحال مع قطع النظر عن نفس الأمر.
وما قيل (4) : من أن الأول إذا كان سببا فلا يفيد انتفاؤه انتفاء المسبب لجواز
__________________
(1) الانبياء : 23.
(2) يعني إن استثناء نقيض المقدم لا ينتج رفع التالي لجواز تحقق التالي بدون تحقق المقدم إذا كان التالي أعم ، فرفع المقدم حينئذ ليس دليلا على العلم بانتفاء التالي ، نعم استثناء عين المقدم ينتج عين التالي ولا يمكن هنا أيضا. والحاصل كما هو في الحاشية مذكور ان الاحتمالات المصورة في أمثال هذه التراكيب على قاعدة أصل الميزان أربعة : وضع كل ورفع كل ولكن المنتج منهما في كل قسم شيء واحد. وتفصيله إن وضع المقدم ينتج وضع التالي ورفع التالي ينتج رفع المقدم ، وأما وضع التالي فلا ينتج وضع المقدم ، ولا رفع المقدم رفع التالي.
(3) «الاستبصار» : 1 / 6 ح 1 3 ، «الوسائل» : 1 / 158 ح 391 و 392.
(4) القائل هو ابن الحاجب وكلامه من الجمهور ، والجواب عنه مشهور فمن أراد الاطلاع أو النظر فيه ، فعليه ببحث (لو) في «المطول» : ص 333.
تعدد الأسباب ، بل العكس أولى بالإذعان كما يشهد به قوله تعالى : (لو كان فيهما آلهة)(1).
ففيه أولا : أنه ناشئ من الخلط بين الاصطلاحين.
وقوله : بل العكس أولى.
فيه : أن العكس هو كون انتفاء الثاني علة لانتفاء الأول ، ولم يقل به أحد (2) ، بل هو علة للعلم بانتفاء الأول ، فلا وجه لهذا الكلام بظاهره.
وثانيا : أن المراد انحصار السبب في الظاهر.
وثالثا : أن الأصل عدم سبب آخر ، وإذا علم له سبب آخر فالسبب هو أحدهما لا بعينه لا معينا.
ومن هذا الباب : «لو لا علي لهلك عمر» (3) ، وقول الحماسي :
ولو طار ذو حافر قبلها
لطارت ولكنه لم يطر (4)
يبقى
__________________
(1) الانبياء : 23.
(2) قال في الحاشية : يعني لا في مصطلح أهل العربية ومتعارف لسان العرب ولا في قاعدة أهل الميزان ، أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلما تقدم من أنهم يقولون إن انتفاء الثاني دليل على العلم بانتفاء الأول ، فإن انتفاءه علة لانتفاء الأول ، اللهم إلا أن يكون مراد الحاجبي أيضا ذلك وأن كلامه على تقدير الحذف والاضمار ولهذا قال : فلا وجه لهذا الكلام بظاهره.
(3) «ذخائر العقبى» : 80 ، «مناقب الخوارزمي» : 81 ح 65 ، «شرح نهج البلاغة» : 1 / 18 و 141 ، «الرياض النضرة» : 2 / 163.
(4) فإن معناه عدم طيران تلك الفرس بسبب انه لم يطر. وحافر قبلها دليل على عدم طيران تلك الفرس ، فإن رفع المقدم لا ينتج رفع التالي على قاعدة أهل الميزان قطعا.
صفحة غير معروفة