وهل ينبغي عليه أن يدعو إلى مساواة جميع الأجناس في الحقوق أم يدافع عن نظم تدعو إلى التفرقة في أماكن الركوب بالسيارات العامة بين البيض والملونين؟ إن اهتداء المرء إلى طريقه وسط هذا الخليط المضطرب من القواعد الأخلاقية السائدة في المجتمع الحالي ليس بالأمر الهين.
فأين إذن نجد تلك الأخلاق التي تجيب على هذه الأسئلة جميعا؟ وهل تستطيع الفلسفة أن تمدنا بأي مذهب كهذا؟
ليس في استطاعة الفلسفة أن تفعل ذلك. هذه هي الإجابة التي ينبغي أن نعترف بها صراحة. ذلك لأن محاولات الفلاسفة صياغة الأخلاق كما لو كانت مذهبا في المعرفة قد انهارت. ولم تكن المذاهب الأخلاقية التي شيدت على هذا النحو إلا ترديدا لأخلاق جماعات اجتماعية معينة. أي المجتمع البورجوازي اليوناني، أو الكنيسة الكاثوليكية، أو الطبقة الوسطى في العصر السابق على عصر الصناعة، أو الطبقة العاملة في العصر الصناعي. ونحن نعلم السبب الذي تعين من أجله أن تخفق هذه المذاهب؛ فهو أن المعرفة لا تستطيع أن تقدم توجيهات. فعلى من يبحث عن قواعد أخلاقية ألا يحاكي منهج العلم. إذ إن العلم ينبئنا بما هو كائن، لا بما ينبغي أن يكون.
فهل يعنى ذلك أن نستسلم؟ وهل يعني أنه لا توجد توجيهات، أخلاقية وإن كل شخص يستطيع أن يفعل ما يحلو له؟
لست أظن أن الأمر كذلك. وإنما أعتقد أن المرء يسيء فهم طبيعة التوجيهات الأخلاقية لو استنتج أن عدم إمكان البرهنة على الأخلاق موضوعيا يعني أن في استطاعة كل شخص أن يفعل ما يحلو له.
ولكي نبحث هذه المشكلة، فلنقم بدراسة مفصلة للطبيعة الإرادية للتوجيهات الأخلاقية عن طريق إجراء تحليل نحوي لعبارة «ينبغي عليه»، العبارة التي يمكن أن توصف بأنها هي الصورة النحوية للتوجيه الأخلاقي؛ فقد رأينا أن العبارة لا يمكن أن تعني أن هناك قانونا أخلاقيا موضوعيا يمكن أن يستمد منه الأمر، فما الذي تعنيه إذن؟ لقد بقي لهذه الجملة معنيان ممكنان.
أولهما هو المعنى اللزومي
implicational ؛ فنحن نعرف أن الشخص المشار إليه قد اختار لنفسه هدفا معينا، ونود أن نقول إن هذا الهدف يلزم عنه السلوك موضوع البحث. مثال ذلك أننا نقول: «ينبغي ألا يدخن زيد.» ونعني بذلك أن من الممكن، نظرا إلى تركيب زيد الفسيولوجي، وباستخدام قوانين الفسيولوجيا، أن نستخلص من هدف الاحتفاظ بصحة جيدة أن زيدا ينبغي ألا يدخن. وبعبارة أخرى فإن قرار الاحتفاظ بصحة جيدة في الحياة يستتبع قرار عدم التدخين، لذلك فإنه يسمى قرارا مستتبعا
entailed decision
فالالتزام بالقرار المستتبع هو من النوع اللزومي
صفحة غير معروفة