مختصر التحفة الاثني عشرية
محقق
محب الدين الخطيب
الناشر
المطبعة السلفية
مكان النشر
القاهرة
تصانيف
العقائد والملل
عن أن يكونا كبيرة فلأن يونس قد قامت عنده قرائن قوية على أن قومه لن يؤمنوا به فدعا عليهم، وأيضا خاف بعد انكشاف العذاب عنهم أن يؤذوه إيذاء شديدا ويكذبوه تكذيبا صريحا حيث لم يلحق العذاب على وفق وعده فلهذا هرب وفر منهم ولم ينتظر حكم الله فيه. ولما كان منصب الأنبياء أعلى وأرفع عوتب على هذا القدر عتابا شديدا وأدب ونبه، وما ورد في القرآن المجيد في حقه ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ فهو مشتق من القدر بمعنى التضييق والأخذ الشديد من قبيل قوله تعالى ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ لا من القدرة حيث يثبت فساد عقيدته. (١) والدليل الصريح على هذا ما وقع بعده ﴿فنادى في الظلمات﴾ إذ لن يصح تخريج الدعاء والنداء على معنى القدرة، بخلاف ذلك المعنى المذكور فإنه ألصق به. فحاصل المعنى على ما قلنا أنه ظن أنا لن نضيق عليهم ولن نأخذهم أخذا شديدا في العقاب فتاب واستغفر لما فعله رجاء للقبول، واعتراف يونس بالظلم على نفسه حيث قال ﴿إني كنت من الظالمين﴾ إنما هو لهضم النفس والتضرع في جنابه تعالى والعلم القليل كثير كما هو دأب الصالحين أو لأجل ترك الأولى فانه في حق الأنبياء في حكم المعصية والظلم في حق عوام الناس.
العقيدة السادسة: أن آدم ابو البشر كان صفي الله بريئا من الحسد والبغض معصوما من الإصرار على معصية الله تعالى. وهذا مذهب أهل السنة لقوله تعالى ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ وقوله تعالى ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾ وقوله تعالى ﴿إن الله اصطفى أدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾. وقد وصفه الشيعة بالحسد والبغض وسائر الخصال الذميمة وأنه مصر على عصيان الله تعالى، وما ثبت لإبليس من القبائح كالحسد وترك امتثال الأمر بالسجود وغير ذلك مما حصل له بسبب آدم يثبته الشيعة لآدم بسبب الأئمة، فإنه حسدهم ولم يقر بولايتهم.
روى ابن بابويه في عيون أخبار الرضا عن الإمام الرضا أنه قال إن آدم لما أكرمه الله بسجود الملائكة له وإدخال الجنة قال في نفسه أنا أكرم الخلق، فنادى ﷿: ارفع رأسك يا آدم فانظر
_________
(١) في التفسير: بعث الله يونس ﵇ إلى أهل نينوى فدعاهم إلى الله ﷿، فكذبوه وتمردوا وعاندوا، فلما طال ذلك خرج بين أظهرهم ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث، قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما: «فلما خرج من بين ظهرانيهم، وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة، وندموا على ما كان من نبيهم فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب، ولهذا قال تعالى: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾.» ابن كثير، قصص الأنبياء: ص ٢٩٥ وما بعدها
1 / 107