لا يمكن أن تتصور فرحي أيها القارئ، فقد كنت أدعو الله أن نقابل صاحبنا بطل الليلة الفائتة «شاويش النقطة» حتى أشفي غليلي برؤيته على حالته الحقيقية، وبالاختصار سرنا بالعربة باسم القانون مسراها، وعلى بركة الشريط الأحمر مرساها.
وصلنا والحمد لله، وأمرني سيدي فركنت بعربتي في موقف الأمس، وما أشبه الليلة بالبارحة! أمرني فأنزلت المقعد الصغير، وفتح البوفيه، فانتحيت جانبا تاركا الحرية لمن لا يتركونها لنا.
وكأنا كنا على موعد مع بطل النقطة الشاويش «عبد العال» فخرج علي كما يخرج عزرائيل على المريض، ونظر إلي، فإذا بي صاحبه القديم، ورأيت في عينه بريقا لما جال في ذاكرته من آثار الورقة ذات الألوان المختلفة، وحسب الصيد سهلا، فنظر إلي وفي عينه كلفة، وفي يديه رعدة الغضب المفتعل قائلا: أنت برده ما حرمتش يا أسطى زفت تنط لي هنا؟ - يا سيدي وأنا مالي! أنا عبد المأمور. - بلا كلام فارغ، عبد المأمور ولا عبد الملاحظ، مين اللي هنا وياك ده؟ سايب الدنيا سيادتك ولا أنت سائل!
فنظرت إليه كما يرى المتفرج ممثلا على المسرح شاهده في دوره مرات عديدة، وعرف كيف يبتدأ وكيف ينتهي، ثم قلت له: «عندك عنين ورجلين، اتفضل شوف.»
فمشى ولصوت حذائه رنة حكومية تجعل القلب يخفق بالرغم عنه، وكان في سيره - وسلاحه على كتفه - كشبح القانون يسير لملاحقة المذنب يدب على الأرض مرحا، وصل إلى العربة فلمح طرف الشريط الأحمر فاهتز، ثم طل فاكتحلت عيناه بالتاج الساطع، فارتفعت يده وهو منحني، وسمعته يقول ورأسه لا تزال في طريقها إلى الأرض: أنا خدام جناب حضرتك، منتظر الأوامر.
فقلت في نفسي: أوامر إيه يا خويه؟ إحنا في القسم! ماله انقلب حاله؟
وفي الحال رفع رأسه، وانسحب باحترام وصفدن جريه صار وجها لوجه معي، فلعب شاربيه، وسرعان ما تبدلت نظرة الخوف والوجل «يزغره» غضب ومر علي وهو يقول: بقى كويس كده يا أسطى؟ بتضحك! طب والله يا بن الوطا منت معتب النجطة دي مع ملكي بعد النهارده إلا إن كان في النيابة.
ومشي مختفيا في الظلام، وأنا أضحك في نفسي، أبكي على هذه النفوس التي تملكت رقابنا بلا مبرر، هل يرضيكم هذا أيها الملكيين من حبيبة وغيره؟ أهل يرضيكم هذا والدنيا مساواة وحرية؟
وقد كان - أيها القارئ - فإنني وشرفك لم أجسر بعد ذلك أن أدخل حدود حدائق القبة إلا وأنا مسلح، وأنت أدرى بسلاحي «ملازم أول وطالع».
هذا كثير من قليل مما يفعله حراس القانون، والقانون يتألم، ولا من يسمع ولا من يرثي.
صفحة غير معروفة