مطلع البدور ومجمع البحور
علي بن محمد(2) الصعدي - رحمه الله - كان عالما غريب الصفات، قليل النظير في وقته، جمع أنواعا من العلم، أما الشرعيات فإمامها على الإطلاق، وله (شرح على تلخيص) المفتاح تأليف القزويني، بسط فيه، وفي كل علم له قدم راسخة، ولقد بلغ في الطب(3)، كما قيل مبالغ ابن زهر، وعلم الرمل ولواحقه والزيجات، وحل السحر، وقرأ التوراة، وكان آية من آيات الله مع مكارم أخلاق، يفصح النسيم العبور لطفا ويخجل شميم العبير عرفا، روي أنه قدم صعده من صنعاء المحروسة ضحوة نهار، ولم يصل إلى منزله إلا وقد آن وقت العصر يقف مع كل من لقيه، ويوفيه حقه، وكان من أهل الثروة والمالية الواسعة، ولكنه كلف بالكتب وتحصيلها، وكان بعض إخوته كلفا بالتجارةووالدهم إذ ذاك حي، فاجتمع للفقيه شمس الدين خزانة ملوكية من غرائب الكتب، وكانت قد تفرقت في الخزائن بعد موته؛ لأنه - رحمه الله - وقفها، ثم اجتمع منها بواسطة الفقيه الأديب اللبيب أحمد بن عبده الطحم الجافي جمهور بعد المائة(4)، في ذهني أنه أخبرني أن الكتب أربعمائة وخمسون مجلدا، ولعله أخبرني عن الموجود في أيدي الناس لا عما جمعه، وكان الفقيه العلامة سيبويه زمانه أحمد بن علي دياس المعروف يعارضه منقطعا إليه يكتب له الكتب ويحشيها، وكان هذا المعروف بدياس آية من آيات الله في علم العربية لا يلحق، ولقد رأيت له تحشية على (الموشح) وافية من كتب لا يعرفها أهل اليمن، ومن الدائر على الألسنة أنه حفظ (الكشاف) غيبا، ولكنه غير ستير الحال، ولا يسلك(5) مسالك العلم، ألقى نفسه /225/ ببير الدرب بصعده، وأما هذا الفقيه شمس الدين فكان من أهل الاستقامة، وسمع الست الأمهات واستجاز منه، وقرأ عليه شيخ الشيوخ السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي - رحمه الله - وكان له تلامذة، ولما مات فر منهم هائما على وجهه من فر بعد أن رثاه بقصيدة لم تحضرني عند الرقم، وكان من تلامذته الفقيه مهدي الشعيبي، ورثاه بأبيات أيضا، ومن المراثي المقولة فيه من تلامذته:
سل المجد هل أضحى مقيما بصعده ... وهل ضربت بالسوح فيها(1) مضاربه
ومن عجيب أمر أحمد بن يحيى بن سالم - رحمه الله - أنه كان يعرف الأكسير، طلع إلى براش بقرب الغيلي، وهو شرقي الغيلي جبل أسود، ومعه القاضي العلامة حاكم المسلمين يحيى(2) بن أحمد بن حابس، فقال له: في هذا المحل قدر ذراع(3) مقدرة الأكسير الذي يخلص به الأمر، فحاوله أن يعرفه فلم يفعل، وتجاوزا إلى محل آخر، وعرفه بذلك، وفاته - رحمه الله - في يوم الاثنين خامس عشر من جمادى الأولى سنة عشرين بعد الألف، ودفن في قبة قبلي القرضين(4) من جهة الغرب - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن يحيى الضيائي الأهنومي(5) [ - ] العلامة المتكلم لسان التوحيد أحمد بن يحيى الضيائي الأهنومي، ثم الظليمي،
صفحة ٤٠٩