[38] وأيضا فإن الإنسان مطبوع على التمييز والقياس، فهو يميز ويقيس الشيء بالشيء دائما بالطبع بغير تكلف ولا فكر. والإنسان إنما يحس بأنه يقيس إذا تكلف القياس واستعمل الفكر وتمحل المقدمات. فأما إذا لم يستعمل الفكر ولم يتمحل المقدمات ولم يتكلف القياس فليس يحس بأنه يقيس. فالمقاييس المألوفة التي مقدماتها ظاهرة وليس تحتاج إلى تكلف قياس هي في طبيعة الإنسان، فليس يحس الإنسان في حال ما يدركه من نتائجها أن إدراك تلك المعاني بقياس. والذي يدل دليلا ظاهرا على أن الإنسان مطبوع على القياس وأنه يقيس ولا يحس في الحال أنه يقيس، ويدرك كثيرا من الأشياء بالقياس ولا يحس في الحال أن إدراكه لها بالقياس، هو ما يظهر في الأطفال في أول نشوهم: فإن الطفل في أول نشوه وعند أول تنبهه قد يدرك أشياء كثيرة مما يدركها الكامل التمييز ويفعل كثيرا من الأفعال بالتمييز ومن قياس الأشياء بعضها ببعض. فمن ذلك أن الطفل الذي ليس في غاية الطفولية ولا كامل التمييز إذا عرض عليه شيئان من جنس واحد، كتحفتين أو ثوبين أو شيئين من الأشياء التي ترغب فيها الأطفال، وخير بين ذينك الشيئين، وكان أحد ذينك الشيئين حسن الصورة وكان الآخر قبيح الصورة فإنه يختار الحسن وينفي القبيح إذا كان منتبها ولم يكن في غاية الطفولية. وإذا خير أيضا بين شيئين من جنس واحد، وكانا جميعا حسنين، وكان أحدهما أحسن من الآخر، فربما اختار الأحسن، وإذا كان الأخر حسنا، إذا كان منتبها. وليس اختيار الطفل للشيء الحسن على القبيح إلا بقياس أحدهما بالآخر. وإدراكه حسن الحسن وقبح القبيح وإيثاره الحسن على القبيح، وكذلك إذا اختار الأحسن على ما هو دونه في الحسن، فليس يختاره لا بعد أن يقيس أحدهما بالآخر ويدرك صورة كل واحد منهما ويدرك زياد حسسن الأحسن على ما هو دونه في الحسن ويؤثر الزائد الحسن. وليس إيثاره الأحسن إلا بالمقدمةالكلية، وهي أن الأحسن أحير والأخير أولى أن يختار. فهو يستعمل هذه المقدمة ولا يحس أنه قد استعملها.
صفحة ٢٢٨