كتاب المناظر
كتاب المناظر المقالة الأولى في كيفية الإبصار بالجملة
صفحة ٥٧
بسم الله الرحمن الرحيم
المقالة الأولى من كتاب الشيخ أبي علي الحسن بن الحسن بن الهيثم في المناظر
فصول المقالة وهي ثمانية
الفصل الأول: صدر الكتاب. الفصل الثاني: في البحث عن خواص البصر. الفصل الثالث: في البحث عن خواص الأضواء وعن كيفية إشراق الأضواء. الفصل الرابع: فيما يعرض بين البصر والضوء. الفصل الخامس: في هيئة البصر. الفصل السادس: في كيفية الإبصار. الفصل السابع: في منافع آلات البصر الفصل الثامن: في علل المعاني التي لا يتم الإبصار إلا بها.
الفصل الأول وهو صدر الكتاب
صفحة ٥٩
[1] إن المتقدمين من أهل النظر قد أمعنوا البحث عن كيفية إحساس البصر، وأعملوا فيه أفكارهم، وبذلوا فيه اجتهادهم، وانتهوا منه إلى الحد الذي وصل النظر إليه، ووقفوا منه على ما وقفهم البحث والتمييز عليه. ومع هذه الحال فآراؤهم في حقيقة الإبصار مختلفة، ومذاهبهم في هيئة الإحساس غير متفقة، فالحيرة متوجهة، واليقين متعذر، والمطلوب غير موثوق بالوصول إليه. وما أوسع العذر مع جميع ذلك في التباس الحق وأوضح الحجة في تعذر اليقين، فالحقائق غامضة، والغايات خفية، والشبهات كثيرة، والأفهام كدرة، والمقاييس مختلفة، والمقدمات ملتقطة من الحواس، والحواس التي هي العدد غير مأمونة الغلط. فطريق النظر معفى الأثر، والباحث المجتهد غير معصوم من الزلل، فلذلك تكثر الحيرة عند المباحث اللطيفة، وتتشتت الآراء، وتفترق الظنون، وتختلف النتائج، ويتعذر اليقين.
[2] والبحث عن هذا المعنى مع غموضه وصعوبة الطريق إلى معرفة حقيقته مركب من العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية. أما تعلقه بالعلم الطبيعي فلأن الإبصار أحد الحواس، والحواس من الأمور الطبيعية. وأما تعلقه بالعلوم التعليمية فلأن البصر يدرك الشكل والوضع والعظم والحركة والسكون، وله مع ذلك تخصص بالسموت المستقيمة، والبحث عن هذه المعاني إنما يكون بالعلوم التعليمية. فبحق صار البحث عن هذا المعنى مركبا من العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية.
[3] وقد بحث المتحققون بعلم الطبيعة عن حقيقة هذا المعنى بحسب صتناعتهم واجتهدوا فيه بقدر طاقتهم، فاستقرت آراء المحصلين منهم على أن الإبصار إنما يكون من صورة ترد من المبصر إلى البصر منها يدرك البصر صورة المبصر. فأما أصحاب التعاليم فإنهم عنوا بهذا العلم أكثر من عناية غيرهم، واستقصوا البحث عنه، فاهتموا بتفصيله وتقسيم أنواعه، وميزوا المعاني المبصرة، وعللوا جزئياتها، وذكروا الأسباب في كل واحد منها، مع اختلاف يتردد بينهم على طول الزمان في أصول هذا المعنى، وتفرق آراء طوائف من أهل هذه الصناعة. إلا أنهم على اختلاف طبقاتهم وتباعد أزمانهم وتفرق آرائهم متفقون بالجملة على أن الإبصار إنما يكون بشعاع يخرج من البصر إلى المبصر وبه يدرك البصر صورة المبصر، وأن هذا الشعاع يمتد على سموت خطوط مستقيمة أطرافها مجتمعة عند مركز البصر، وأن كل شعاع يدرك به مبصر من المبصرات فشكل جملته شكل مخروط رأسه مركز البصر وقاعدته سطح المبصر. وهذان المعنيان أعني رأي أصحاب الطبيعة ورأي أصحاب التعاليم متضادان متباعدان إذا أخذا على ظاهرهما.
صفحة ٦٠
[4] ثم مع ذلك فأصحاب التعاليم مختلفون في هيئة هذا الشعاع وهيئة حدوثه. فبعضهم يرى أن مخروط الشعاع جسم مصمت متصل ملتئم. وبعضهم يرى أن الشعاع خطوط مستقيمة هي أجسام دقاق أطرافها مجتمعة عند مركر البصر، وتمتد متفرقة حتى تنتهي إلى المبصر، وأن ما وافق أطراف هذه الخطوط من سطح المبصر أدركه البصر وما حصل بين أطراف خطوط الشعاع من أجزاء المبصر لم يدركه البصر، ولذلك تخفى عن البصر الأجزاء التي في غاية الصغر والمسام التي في غاية الدقة التي تكون في سطوح المبصرات. ثم إن طائفة من يعتقد أن مخروط الشعاع مصمت ملتئم ترى أن الشعاع يخرج من البصر على خط واحد مستقيم إلى أن ينتهي إلى المبصر، ثم يتحرك على سطح المبصر حركة في غاية السرعة في الطول والعرض لا يدركها الحس لسرعتها، فيحدث بتلك الحركة المخروط المصمت. وطائفة ترى أن الأمر بخلاف ذلك وأن البصر إذا فتح أجفانه قبالة المبصر حدث المخروط في الحال دفعة واحدة بغير زمان محسوس. ورأى طائفة من جميع هؤلاء أن الشعاع الذي به يكون الإبصار هو قوة نورية تنبعث من البصر وتنتهي إلى المبصر، وبتلك القوة يكون الإحساس. ورأى طائفة أن الهواء إذا اتصل بالبصر قبل منه كيفية فقط، فيصير الهواء في الحال بتلك الكيفية شعاعا يدرك به البصر المبصرات.
صفحة ٦١
[5] ولكل طائفة من هذه الطوائف مقاييس واستدلالات وطرق أدتهم إلى اعتقادهم وشهادات، إلا أن الغاية التي عليها استقر رأي جميع من بحث عن كيفية إحساس البصر تقسسم بالجملة إلى المذهبين المتضادين اللذين قدمنا ذكرهما وكل مذهبين مختلفين إما أن يكون أحدهما صادقا والآخر كاذبا، وإما أن يكونا جميعا كاذبين والحق غيرهما جميعا، وإما أن يكونا جميعا يؤديان إلى معنى واحد هو الحقيقة، ويكون كل واحد من الفريقين القائلين بذينك المذهبين قد قصر في البحث فلم يقدر على الوصول إلى الغاية فوقف دون الغاية، ووصل أحدهما إلى الغاية وقصر الآخر عنها، فعرض الخلاف في ظاهر المذهبين، وتكون غايتهما عند استقصاء البحث واحدة. وقد يعرض الخلاف أيضا في المعنى المبحوث عنه من جهة اختلاف طرق المباحث، وإذا حقق البحث وأنعم النظر ظهر الاتفاق واستقر الخلاف.
[6] ولما كان ذلك كذلك، وكانت حقيقة هذا المعنى مع اطراد الخلاف بين أهل النظر المتحققين بالبحث عنه على طول الدهر ملتبسة، وكيفية الإبصار غير متيقنة، رأينا أن نصرف الاهتمام إلى هذا المعنى بغاية الإمكان، ونخلص العناية به، ونتأمله، ونوقع الجد في البحث عن حقيقته، ونستأنف النظر في مبادئه ومقدماته، ونبتديء في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات، ونميز خواص الجزئيات، ونلتقط بالاستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار، وها هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس، ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب، مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائح، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الأراء، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر، ونصل بالتدرج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات. وها نحن مع جميع ذلك، برآء مما هو في طبيعة الإنسان من كدر البشرية، ولكنا نجتهد بقدر ما هو لنا من القوة الإنسانية، ومن الله نستمد المعونة في جميع الأمور.
صفحة ٦٢
[7] ونحن نقسم هذا الكتاب سبع مقالات: ونبين في المقالة الأولى كيفية الإبصار بالجملة، ونبين في المقالة الثانية تفصيل المعاني التي يدركها البصر وعللها وكيفية إدراكها، ونبين في المقالة الثالثة أغلاط البصر فيما يدركه على استقامة وعللها، ونبين في المقالة الرابعة كيفية إدراك البصر بالانعكاس عن الأجسام الصقيلة، ونبين في المقالة الخامسة مواضع الخيالات وهي الصور التي ترى في الأجسام الصقيلة، ونبين في المقالة السادسة أغلاط البصر فيما يدركه بالانعكاس وعللها، ونبين في المقالة السابعة كيفية إدراك البصر بالانعطاف من وراء الأجسام المشفة المخالفة الشفيف لشفيف الهواء، ونختم الكتاب عند آخر هذه المقالة.
[8] وقد كنا ألفنا مقالة في علم المناظر سلكنا في كثيرمن مقاييسها طرقا إقناعية، فلما توجهت لنا البراهين المحققة على جميع المعاني المبصرة استأنفنا تأليف هذا الكتاب. فمن وقع إليه المقالة التي ذكرناها فليعلم أنها مستغنى عنها بحصول المعاني التي فيها في مضمون هذا الكتاب.
الفصل الثاني في البحث عن خواص البصر
[1] نجد البصر ليس يدرك شيئا من المبصرات إلا إذا كان بينه وبينه بعد ما. فإن المبصر إذا كان ملتصقا بسطح البصر فليس يدركه البصر وإن كان من المبصرات التي يصح أن يدركها البصر.
[2] ونجد البصر ليس يدرك شيئا من المبصرات التي تكون معه في هواء واحد، ويكون إدراكه ها لابالانعكاس، إلا إذا كان مقابلا للبصر، وكان بين كل نقطة من سطحه الذي يدركه البصر وبين سطح البصر خط مستقيم متوهم أو خطوط مستقيمة متوهمة، ولم يتوسط بين سطح البصر وبين المبصر جسم كثيف يقطع جميع الخطوط المستقيمة التي تتوهم بين سطح البصر وبين سطح المبصر الذي يدركه البصر.
[3] ونجد كل مبصر يدركه البصر، ويكون معه في هواء واحد، ويكون إدراكه له لا بالانعكاس، متى قطعت جميع الخطوط المستقيمة التي تتوهم بين سطح البصر وبين سطحه الذي يدركه البصر بجسم كثيف استتر ذلك المبصر عن البصر وخفي عنه ولم يدركه، وإن كان بين البصر وبينه في هذه الحال هواء متصل لا يتخلله شي ء من الأجسام الكثيفة إذا كان اتصاله على غير استقامة، ثم إذا رفع ذلك الساتر الكثيف أدرك البصر المبصر.
صفحة ٦٣
[4] ومتى قطع الساتر جميع الخطوط المستقيمة التي بين جزء من سطح المبصر وبين سطح البصر، حتى لا يبقى بين ذلك الجزء من المبصر وبين شيء من الجزء من سطح البصر الذي منه يكون الإبصار خط مستقيم إلا وقد قطعه ذلك الساتر، استتر من المبصر ذلك الجرء فقط الذي قطع الساتر جميع الخطوط المستقيمة التي بيينه وبين موضع الإبصار من سطح البصر.
[5] وإذا استقرئت جميع المبصرات في جميع الأوقات واعتبرت وحررت وجدت على الصفة التي ذكرناها مطردة لا تختلف ولا تتغير. فيدل ذلك على أن كل مبصر يدركه البصر، ويكون معه في هواء واحد، إذا كان إدراكه له لابالانعكاس، فإن بين كل نقطة من سطح المبصر وبين نقطة ما من سطح البصر، أو أكثر من نقطة، خطا مستقيما أو خطوطا مستقيمة لا يقطعها شيء من الأجسام الكثيفة.
[6] فأما كيف يعتبر هذا المعنى اعتبارا محررا فإن اعتباره ممكن متسهل بالساطر والأنابيب. فإذا شاء معتبر أن يعتبر ذلك ويحرره فليتخذ مسطرة في غاية الصحة والاستقامة، وليخط في وسط سطحها خطا مستقما موازيا لخطي نهايتها، ويتنخذ أنبوبا أسطوانيا أجوف طوله في غاية الاستقامة واستدارته في غاية ما يمكن من الصحة ودائرتا طرفيه متوازيتان. ولتكن متانته متشابهة، وليكن مقتدر السعة وليس بأوسع من محجر العين، وليخط في سطحه الظاهر خطا مستقيما يمتد من نقطة من محيط إحدى قاعدتيه إلى النقطة المقابلة لها من الناحية الأخرى. وليكن هذا الأنبوب أقصر من طول المسطرة بمقدار يسير، وليقسم الخط الذي في وسط المسطرة بثلاثة أقسام، وليكن الأوسط من الأقسام مساويا لطول الخط الذي في سطح الأنبوب، ويكون القسمان الباقيان اللذان عن جنبتيه بأي قدر كان. ثم يلصق الأنبوب بسطح المسطرة ويطبق الخط الذي في سطحه على القسم الأوسط من الخط الذي في وسط سطح المسطرة، ويتحرى أن ينطبق نهايتا طرفيه على النقطتين اللتين فصلتا الخط الأوسط، ويلصق الأنبوب بسطح المسطرة على هذه الصفة إلصاقا ملتحما وثيقا لا ينحل ولا يتغير.
صفحة ٦٤
[7] فإذا أحكمت هذه الآلة وأراد المعتبر أن يعتبر بها إدراك البصر للمبصرات فليعين على مبصر من المبصرات، وليلصق طرف هذه المسطرة بالجفن الأسفل من إحدى عينيه ويلصق الطرف الأخر بسطح المبصر ويستر العين الأخرى، وينظر في هذه الحال في ثقب الأنبوب: فإنه يرى من المبصر الجزء المقابل لثقب الأنبوب الذي عند طرف المسطرة. وإذا ستر ثقب الأنبوب بجسم كثيف استتر ذلك الجرء من المبصر الذي كان يراه من ثقب الأنبوب. ثم إذا رفع الساتر أدرك ذلك الجزء كما كان يدركه في الأول. وإن ستر بالجسم الكثيف بعض ثقب الأنبوب استتر من الجزء من المبصر الجزء منه فقط المقابل للجزء المستتر من ثقب الأنبوب الذي هو والبصر الساتر على سمت مستقيم وهذه الاستقامة تتحرر بالسطرة وباستقامة الأنبوب. فإن الجزء الذي يستتر من الجرء المبصر إذا ستر بعض ثقب الأنبوب يكون أبدا هو والبصر والجزء المستتر من ثقب الأنبوب على خط مواز للخط المستقيم الذي يمتد في سطح المسطرة ومواز لطول الأنبوب. ثم إذا رفع الساتر عاد إدراك البصر لذلك الجزء من المبصر كذلك دائما لا يختلف ولا ينتقض.
[8] وإذا نظر الناظر إلى المبصر من ثقب الأنبوب، وكانت المسطرة ممتدة بين البصر والمبصر، ثم سد ثقب الأنبوب وخفي الجزء الذي كان يدركه البصر من سطح المبصر، فإن بين ذلك الجزء من المبصر في تلك الحال وبين سطح البصر هواء متصلا لا يتخلله شيء من الأجسام الكثيفة ومسافات لا نهاية لها غير مستقيمة. إذ بين طرف الأنبوب وبين البصر فضاء منكشف، وكذلك بين المبصر وبين الطرف الأخر من الأنبوب، إلا أن الهواء المتصل الذي بين البصر وبين المبصر في تلك الحال ليس هو متصلا على استقامة بل اتصالا على غير استقامة، ولم ينقطع في تلك الحال من الخطوط التي يمكن أن تتوهم بين البصر وبين ذلك الجرء من المبصر إلا الخطوط المستقيمة فقط. فلو كان ممكنا أن يدرك البصر المبصر الذي هو معه في هواء واحد على غير سمت الاستقامة لقد كان يدرك الجزء من المبصر المقابل لثقب الأنبوب بعد سد ثقب الأنبوب. لكن يوجد ما هذه صفته من المبصرات إذا اعتبر وتؤمل على الصفة التي حددناها فليس يدركه البصر عند سد الأنبوب.
صفحة ٦٥
[9] فيجب من هذا الاعتبار وجوبا تسقط معه الشبهات أن البصر ليس يدرك شيئا من المبصرات التي تكون معه في هواء واحد، ويكون إدراكه لا بالانعكاس، إلا على سموت الخطوط المستقيمة فقط التي تتوهم ممتدة بين سطحه وبين سطح البصر.
[10] وأيضا فإنا نجد البصر ليس يدرك شيئا من المبصرات إلا إذا كان في المبصر ضوء ما إما من ذاته أو مشرق عليه من غيره. ومتى كان المبصر مظلما لا ضوء فيه بوجه من الوجوه لم يدركه البصر ولم يحس به. ونجد البصر إذا كان في مكان مظلم فقد يدرك المبصرات إذا كانت مقابلة له وكانت مضيئة بأي ضوء كان، وكان الهواء الذي بينه وبينها متصلا لا يتخلله شيء من الأجسام الكثيفة. فإذا كان المبصر في مكان مظلم، ولم يكن فيه شي ء من الضوء، وكان البصر في مكان مضيء فليس يدرك البصر ذلك المبصر ولا يحس به. ونجد هذه الحال مطردة لا تختلف ولا تتغير. فدل ذلك على أن المبصر، إذا كان فيه ضوء ما، وكان من المبصرات التي يصح أن يدركها البصر، وكان الضوء الذي في المبصر إلى الحد الذي يصح أن يحس به البصر، فإن البصر يدرك ذلك المبصر، كان الهواء المحيط بالبصر مضيئا بغير الضوء الذي في المبصر أو لم يكن مضيئا بغيرذلك الضوء.
صفحة ٦٦
[11] ونجد البصر ليس يدرك شيئا من المبصرات إلا إذا كان حجمه مقتدرا وأريد بالحجم مساحة المبصر جسما كان أو سطحا أو خطا وليس يدرك من المبصرات ما كان في غاية الصغر. ويوجد من الأجسام الصغار بالاستدلال ما لا يدركه البصر بوجه من الوجوه. فإن إنسان عين البعوض وما جرى مجراه في الصغر ليس يدركه البصر بوجه من الوجوه، وهو مع ذلك جسم موجود. وأصغر المقادير التي يمكن أن يدركها البصر تكون بحسب قوة البصر أيضا وضعفه، فإن من الأجسام الصغار ما يدركها بعض الناس ويحس بها وتخفى عن أبصار كثير من الناس ولا يدركونها بوجه من الوجوه إن كانت أبصارهم ليست في غاية القوة. وإذا اعتبرت جميع المبصرات وأصغر الصغيرمن المبصرات وجدت ليست في غاية الصغر، بل يوجد كل مبصر وإن كان في غاية الصغر فقد يمكن أن يكون في الأجسام الموجودة ما هو أصغر منه ولا يحس به البصر. فدل ذلك على أن البصر ليس يدرك شيئا من المبصرات إلا إذا كان حجمه مقتدرا أو كان في مبصر مقتدر الحجم، كاللون والشكل وما أشبه ذلك، فإن أصغر المقادير التي يدركها البصر يكون بحسب قوة ذلك البصر.
[12] وأيضا فإنا نجد البصر ليس يدرك شيئا من المبصرات إلا إذا كان كثيفا أو كان فيه بعض الكثافة. فإن الجسم إذا كان في غاية الشفيف كالهواء اللطيف فليس يدركه البصر، ويدرك ما وراءه. فليس يحس البصر بالجسم المشف إلا ذا كان أغلظ من الهواء المتوسط بينه وبين البصر. وكل جسم كثيف فله لون أو ما يجري مجرى اللون كأضواء الكواكب وصور الأجسام النيرة. وكذلك كل جسم مشف فيه بعض الكثافة فليس يخلوا من اللون.
[13] وأيضا فإنا نجد البصر إذا كان يدرك مبصرا من المبصرات ثم بعد عنه بعدا شديدا خفي ذلك المبصر عن البصر فلم يدركه. ونجد المبصر إذا بعد عن البصر بعدا شديدا حتى ينتهي إلى حد يخفي عن البصر فلا يدركه البصر فقد يمكن للبصر أن يدرك من ذلك البعد بعينه إذا لم يكن في غاية التفاوت مبصرا غير ذلك المبصر إذا كان أعظم جثة من المبصر الخفي. فدل ذلك على أن الأبعاد التي يصح ن يدرك منها المبصر والأبعاد التي يخفى منها المبصر إنما تكون بحسب عظم المبصر.
صفحة ٦٧