فقال لي: «على أي حال أنا لم آت إلى هنا كثيرا من قبل.» «لقد بنيت هذا البيت في نهاية الخمسينيات، وتسكن فيه منذ ذلك الوقت يا أبي.»
عقد ما بين حاجبيه؛ لأن المعلومات التي تلقاها بدت له غير مرضية، وحك عنقه، ثم قال: «أنا أصدق ما تقول، ولكن مع تحفظي عليه. والآن أريد أن أذهب إلى البيت.»
نظرت إليه وقد بدا عليه الإرهاق الشديد الذي سببته له هذه اللحظة العصيبة، مع أنه كان يحاول إخفاء الاضطراب الذي اعتراه. كان مضطربا تماما، وكان جبينه يتصبب عرقا. وكانت رؤية أي إنسان يوشك أن يصاب بالذعر تؤثر في حتى النخاع.
يعد الإحساس المؤلم بعدم الوجود في البيت من أعراض هذا المرض. وكنت أفسر لنفسي هذا الأمر بأن مريض ألزهايمر يفقد الإحساس بالاحتواء بسبب ما يعانيه من تمزق داخلي؛ ولذلك فإنه يتوق إلى مكان يجد فيه ذلك الاحتواء مجددا. ولكن بسبب الإحساس بالاضطراب والارتباك الذي لا يفارقه، حتى في أكثر الأماكن التي كان يألفها، أصبح سريره أيضا عاجزا عن إعطائه الشعور بالاحتواء، وبأنه في البيت.
ولعل كلمات مارسيل بروست تعبر عن ذلك تعبيرا بليغا عندما يقول: «الجنات الحقيقية هي تلك التي فقدناها.» ولا يحدث تغيير المكان تحسنا في مثل هذه الحالة. ربما يمكن لتشتيت انتباه المريض أن يساعده قليلا، وهو الأمر الذي يمكن فعله، أو ربما يمكن التوصل إلى نتيجة أفضل من خلال الغناء مثلا. والغناء من الأمور الأكثر مرحا، ومرضى ألزهايمر يحبون الغناء؛ فالغناء يخاطب المشاعر وكأنه بيت خارج حدود العالم الذي ندركه بعقولنا.
وعند ذكر الغناء أتذكر أيضا أنه لا يكاد يخلو كتاب عن مرض ألزهايمر من تشبيه المرضى بالأطفال الصغار، وهذا أمر في غاية السخف؛ فالإنسان البالغ لا يمكن أبدا أن يعود طفلا؛ فالطفل ينمو بطبيعته إلى الأمام، الأطفال يكتسبون قدرات جديدة بينما يفقد مرضى ألزهايمر قدراتهم. ومراقبة تصرفات الأطفال يمكن أن تصقل نظرتنا إلى عملية التقدم، في حين أن النظر إلى مرضى ألزهايمر يصقل نظرتنا إلى عملية الفقدان. والحقيقة هي أن التقدم في السن لا يرد إلينا ما يسلب منا، إنه مثل المنحدر، وأكبر هم يمكن للكبر أن يصيبنا به هو أن يطول أمده أكثر مما نحتمل.
شغلت أسطوانة أغان من مجموعة أسطوانات الأغاني التقليدية التي أعدتها أختي هيلجا لمثل هذه الأغراض، واستمعنا إلى أغنية «فوق العربة الصفراء ركبت يوما خمس بجعات برية»، وعادة ما كانت تنجح هذه الحيلة، حيث ندندن معا بالأغاني لمدة نصف ساعة، ويندمج الرجل الكبير في الغناء حتى إنه يضحكني، ثم يضحك لضحكي. بعد أن فعلت ذلك كان وقت خلوده إلى النوم قد حان. انتهزت هذه اللحظة وقدته إلى حجرة نومه في الدور العلوي. كان أبي في حالة مزاجية جيدة مع أن إدراكه للزمان والمكان والأحداث كان لا يزال سيئا، إلا أنه لم يكن يشغل باله بذلك.
ودار بخلدي أن الفوز ليس كل شيء، وإنما البقاء هو الأهم، وكنت منهكا في ذلك اليوم على الأقل مثل أبي ، وقلت له ما عليه فعله حتى ارتدى ملابس النوم، ودخل من تلقاء نفسه تحت الغطاء وهو يقول: «أهم شيء أن لدي مكانا لأنام فيه.»
ثم رفع يده وحيا شخصا كان يعتقد أنه موجود، وقال: «لا بأس بالمكان هنا، يمكن أن أتحمل البقاء فيه؛ فالمكان لطيف.»
كيف حالك يا أبي؟
صفحة غير معروفة