وأما النبات، فأقول: إن هذا الجنس من الكائنات متصل أوله بالمعدن ... وآخره بالحيوان ...
والنخل آخر مرتبة النباتية، ما يلي الحيوانية، وذلك أن النخل نبات حيواني؛ لأن بعض أفعاله وأحواله مباين لأحوال النبات وإن كان جسمه نباتيا، بيان ذلك أن القوة الفاعلة فيه منفصلة من القوة المنفعلة، والدليل على ذلك أن أشخاص الفحولة منه مباينة لأشخاص الإناث ... وأيضا فإن النخل إذا قطعت رءوسها جفت وبطل نموها ونشوءها وماتت ...
وأول مرتبة من الحيوانية متصلة بآخر النبات ... فأدون الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة فقط، وهو الحلزون ... فليس للحلزون سمع ولا بصر ولا شم ولا ذوق، إلا اللمس فحسب ... لأن الحكمة الإلهية لا تعطي الحيوان عضوا لا يحتاج إليه في جر المنفعة أو دفع المضرة ... فهذا النوع (أي دودة الحلزون) حيواني نباتي؛ لأنه ينبت جسمه كما ينبت بعض النبات، ويقوم على ساقه قائما، وهو من أجل أن يحركه حركة اختيارية حيواني، ومن أنه ليست له إلا حاسة واحدة فهو أنقص الحيوانات رتبة في الحيوانية ...
مرتبة الحيوانية مما يلي الإنسانية، ليست من وجه واحد، ولكن من عدة وجوه؛ وذلك أن رتبة الإنسانية لما كانت معدن الفضائل، وينبوع المناقب، لم يستوعبها نوع واحد من الحيوان، ولكن عدة أنواع، فمنها ما قارب رتبة الإنسانية بصورة جسده مثل القرد، ومنها بالأخلاق النفسانية كالفرس ...
وأدون رتبة الإنسانية مما يلي الحيوانية هي رتبة الذين لا يعلمون من الأمور إلا المحسوسات، ولا يعرفون من الخيرات إلا الجسمانيات ...» (ج3، ص224-229).
33
وأعتذر للقارئ عن وقفة طويلة عند موضع من رسائل إخوان الصفا، جذبني إلى قراءته جذبا؛ لما فيه من طلاوة عرض وجدة فكرة، فلئن كان العرض ذا طابع فني يحيله إلى قطعة من الأدب الفلسفي، فإن الفكرة عقلية موغلة في عقلانيتها، ولا يستطيعها إلا من أوتوا رجاحة العقل التي تمكنهم من تحطيم المألوف ليتسنى لهم النظر الموضوعي الخالص.
وإنما قصدت تلك الصفحات الطوال من الجزء الثاني، تلك الصفحات التي أجرى فيها كاتبوها محاكمة بين بني الإنسان وأنواع الحيوان؛ إذ ترفع هذه الأنواع الحيوانية شكاتها إلى ولي الأمر مما تعانيه من الإنسان، رافضة أن يكون للإنسان فضل عليها من حيث إنها هي وهو معا صنعة الله، فيسأل ولي الأمر بني الإنسان ماذا يقولون دفاعا عن أنفسهم، ويجيبون بما يظنونه مؤيدا لموقفهم من آيات القرآن الكريم، لكن الحيوان سرعان ما يجد التأويل لهذه الآيات تأويلا يبين أن الإنسان قد جاوز حدود الحق حين فهمها على الوجه الذي فهمها به، وأما ولي الأمر هنا فلا هو إنسان ولا حيوان، ليكون محايدا في نظره وحكمه بين الطرفين؛ إذ هو ملك من الجان يقال له «بيراست الحكيم».
وتبدأ الصورة الأدبية الرائعة هذه، بأن جعلت مقر «بيراست الحكيم» جزيرة في وسط البحر الأخضر مما يلي خط الاستواء، وهي طيبة الهواء والتربة، فيها أنهار عذبة وعيون جارية وأشجار مختلفة ألوانها وثمارها، وحدث ذات يوم أن طرحت الرياح العاصفة مركبا من سفن البحر إلى ساحل تلك الجزيرة، وكان على المركب قوم من التجار والصناع وأهل العلم، فخرجوا من مركبهم إلى أرض الجزيرة وطافوا بها، فرأوا فيها من ضروب النبات ومن صنوف الحيوان من بهائم وأنعام، وطيور وسباع، ووحوش وهوام وحشرات، وكان الكل يألف الكل ويأنس له، فاستطاب القوم الجزيرة وما عليها، واستوطنوا بها، وأخذوا يبنون ويعمرون وينشطون بحياتهم على نحو ما اعتادوا في بلادهم أن يفعلوا، وعندئذ لم تأخذهم ريبة من أنفسهم حين تعرضوا لما استطاعوا أن يتعرضوا له من صنوف الحيوان ليستخدموها وليركبوها، حتى فزعت صنوف الحيوان لهذه المصيبة التي نكبت بها من حيث لا تدري، لكن هؤلاء الناس تعقبوها حتى أمسكوا بها وأعادوها معهم لتكون مسخرة لأغراضهم.
فجمعت البهائم والأنعام زعماءها وخطباءها، وذهبت إلى «بيراست الحكيم» - ملك الجن - وشكت إليه ما لقيت من جور بني آدم، وتعديهم عليها، واعتقادهم فيها بأنها عبيد لهم، فبعث ملك الجن رسولا إلى أولئك القوم ودعاهم إلى حضرته، فذهبت منهم طائفة عدادها نحو سبعين رجلا، اختاروهم ممن ينتمون إلى بلدان شتى، فلما مثلوا بين يدي ملك الجن، قال لهم على لسان ترجمان: ما الذي جاء بكم إلى بلادنا؟
صفحة غير معروفة