وهو يبلغ من الارتفاع 15 مترا، وطول جداره الشمالي 9,92 مترا، والجنوبي 10,25 مترا، والشرقي 11,88 مترا، والغربي 12,25 مترا، وفي الجدار الشرقي بابها، ويرتفع عن الأرض مقدار مترين، وعتبة مصفحة بصفائح الفضة، وكذلك مصراعا الباب، إلا أن صفائحهما الفضية مطلية بالذهب، ويلاصق جدران الكعبة من الخارج بناء من الرخام يسمى الشاذروان، ارتفاعه عن الأرض قليل، وقد أقيم تقوية للجدران، وفي الركن الجنوبي الشرقي الحجر الأسود وهو مبدأ الطواف، ويرتفع عن الأرض مترا ونصف متر، وعلى مقربة من الكعبة نجد بئر زمزم المشهورة.
والآن وقد استطردنا فأتينا على تاريخ الكعبة ووصفها، فإنا نرجع بالقارئ إلى حالة مكة بعد بنائها، وانصراف إبراهيم عليه السلام عنها إلى الشمال. (8) بنو إسماعيل في مكة
بعد أن تم بناء البيت وعاد إبراهيم إلى فلسطين، أقام إسماعيل في مكة التي أخذت أفئدة الناس تهوي إليها، ونخص بالذكر منهم الجراهمة، الذين كانوا يقيمون إلى جوار مكة قبل أن ينبع الماء في زمزم، وظل إسماعيل يدعو الناس إلى عبادة الله في مكة وما جاورها حتى مات، وقام أبناؤه من بعده - إذا تساهلنا في التعبير - على السلطة الزمانية في مكة وعلى خدمة البيت، وقد سبق أن قلنا إن إسماعيل تزوج من السيدة فاطمة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، ومن هذه السيدة أنجب أبناءه الاثني عشر، الذين هم أجداد العرب الإسماعيلية، ولم يلبث أولادهم أن انتشروا في أنحاء الجزيرة، وخاصة في شمالها، وليست أسماء القبائل التي تنسب إلى إسماعيل إلا أسماء هؤلاء الأولاد أو أحفادهم.
وأشهر أعقاب إسماعيل هو عدنان، الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد ، والذي يقال إنه تزوج - كجده من قبل - من جرهمية، ونحن لا نستطيع أن نجزم بصحة ما أورده النسابون في سلسلة النسب التي تربطه بإسماعيل، أما أبناء عدنان، فأنسابهم إلى حد ما مضبوطة، لا يختلف فيها مؤرخو العرب، ويعترف بها معظم المستشرقين، ونخص بالذكر منهم نزار بن معد بن عدنان.
وقد أنجب نزار ولدين، أحدهما ربيعة والآخر مضر، ومن أشهر أعقاب ربيعة بكر وتغلب، أما مضر فأشهر أعقابه عبس وذبيان وسليم وهوازن وتميم وهذيل وخزيمة، ومن بني خزيمة كنانة وأسد، وأشهر بني كنانة فهر أو قريش، وهي القبيلة التي ستشغل أكبر حيز من كلامنا في هذا الباب.
وتاريخ بني إسماعيل في هذه الفترة الطويلة من الزمن، غامض غموضا شديدا، ولا يعرف حتى المؤرخون العرب كيف يملئون فراغ هذه القرون المتطاولة، ولا تبزع شمسهم - مشبحة بالغيوم - فوق أفق التاريخ الحقيقي إلا من عهد قصي، في منتصف القرن الخامس الميلادي، على أن هذا لا يمنعنا من أن نذكر بناءا على ما رواه مؤرخو العرب، أن الذين قاموا على الحكومة والبيت في مكة بعد أولاد إسماعيل مباشرة هم الجراهمة أخوالهم، ومن بعدهم الخزاعيون.
ونثبت في كل من الجدولين الآتيين سلالة ربيعة ومضر، كما استخلصت من كتب الأنساب، مع ملاحظة أن الخط المنقط يدل على إهمال حلقة أو أكثر من سلسلة النسب: (9) الجراهمة في مكة
لما ضعفت قبضة بني إسماعيل في مكة، نحاهم أخوالهم الجراهمة، الذين آثروا المقام في مكة، بينا هاجر معظم بني إسماعيل، وقد احتفظ الجراهمة بسدانة البيت، ولقبوا أنفسهم بالملوك، وممن يذكرهم مؤرخو العرب من الجراهمة، مضاض الجرهمي الأصغر الذي نازعه بعض أهل مكة السلطان فانتصر عليهم، ولا يذكر المؤرخون شيئا جديرا بالذكر إلا أن جرهما بغت مكة واستحلوا حرمة البيت، وظلموا من دخل مكة من الحجاج وغيرهم، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها، وظهر فيهم الفسق والفساد حتى كانوا يأتون الفحشاء في جوف الكعبة، وما زال أمرهم يضعف حتى تمكنت خزاعة من التغلب عليهم، والاستيلاء على مكة.
وقبل أن يبرح آخر ملوكهم - وهو عمرو بن الحارث بن مضاض - مكة يقال إنه رمى في بئر زمزم كل تحفه وذخائره، ومن بينها غزالتان من الذهب وسيوف ودروع سنعود إلى الكلام عنها في الفقرات التالية، كما تذكر بعض الروايات أنه دفن الحجر الأسود أيضا، ثم طم البئر على ما دفن.
وتذكر بعض كتب الأدب والتاريخ أشعارا يتجلى فيها حزن الجراهمة على ما فقدوا من ملك وجاه، وأغلب الظن أنها موضوعة.
صفحة غير معروفة