لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
الناشر
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤٠٢ هجري
مكان النشر
دمشق
الْأُمَّةِ، وَتَقْبِيحِ مَنْ آذَاهُمْ وَشَنَّاهُمْ، وَالْكَفِّ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ مِمَّا لَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُمْ، وَمَا صَحَّ فَلَهُ تَأْوِيلَاتٌ سَائِغَةٌ، وَإِذَا كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ هَنَاتٌ تَقَعُ مُكَفَّرَةً مُسْتَهْلَكَةً فِي عَظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ وَجَسِيمِ مُجَاهَدَاتِهِمْ، ثُمَّ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ
وَلِهَذَا قَالَ:
«وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ كَالصَّحَابَةِ ... فِي الْفَضْلِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِصَابَةِ»
«وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ» الْمُحَمَّدِيَّةِ الْمُفَضَّلَةِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ بِأَفْضَلِيَّةِ نَبِيِّهَا ﷺ، وَأَفْضَلِيَّةِ مَا جَاءَ بِهِ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَالدِّينُ الْقَوِيمُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَيَكُونُ الصَّحَابَةُ أَفْضَلَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ، «كَالصَّحَابَةِ» الْكِرَامِ الَّذِينَ فَازُوا بِصُحْبَةِ خَيْرِ الْأَنَامِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ السَّلَامِ، وَتَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ تَعْرِيفُ الصَّحَابَةِ، وَطَرِيقُ ثُبُوتِ الصُّحْبَةِ، وَبَيَانُ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، وَبَيَانُ عِدَّتِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، فَمُعْتَمَدُ الْقَوْلِ عِنْدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ الْمُعْتَبَرِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قِيلَ: اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي التَّفَاسِيرِ مَشْهُورٌ، وَرَجَّحَ كَثِيرٌ عُمُومَهَا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَهَذَا خِطَابٌ لِلْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الْآيَاتِ، فَلَيْسَ فِي سَائِرِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِثْلُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، «فِي الْفَضْلِ» بِشَاهِدِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: " «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ". وَهَذَا وَإِنْ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ مَا جَرَى بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَبَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵄، فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنَ الْخِطَابِ لِأَصْحَابِهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ لَا يَسُبُّ غَيْرُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، وَلَا يَسُبُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ حُصُولِ السَّبِّ لَهُمْ مُطْلَقًا، وَقَوْلُهُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ بِالْخِطَابِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ جَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ يُنْزِلُ نَفْسَهُ مَنْزِلَتَهُمْ، وَقَدْ يَأْتِي الْخِطَابُ لِقَوْمٍ تَعْرِيضًا بِغَيْرِهِمْ كَثِيرًا اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِنْهُ، وَالنَّصِيفُ أَحَدُ اللُّغَاتِ الْأَرْبَعِ
2 / 377