لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

الناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

دمشق

[خطبة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَقَدَّسَتْ عَنِ الْأَشْبَاهِ ذَاتُهُ، وَتَنَزَّهَتْ عَنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ صِفَاتُهُ، وَدَلَّتْ عَلَى وُجُودِهِ وَقِدَمِهِ مَخْلُوقَاتُهُ، وَشَهِدَتْ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ مَصْنُوعَاتُهُ، وَأَقَرَّتْ بِالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ بَرِيَّاتُهُ، وَأَذْعَنَتْ لِعَظَمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ مُبْتَدَعَاتُهُ، سُبْحَانَهُ مِنْ إِلَهٍ تَحَيَّرَتِ الْعُقُولُ فِي بَدِيعِ حِكْمَتِهِ، وَخَضَعَتِ الْأَلْبَابُ لِرَفِيعِ عَظَمَتِهِ، وَذَلَّتِ الْجَبَابِرَةُ لِعَظِيمِ عِزَّتِهِ، وَدَلَّتْ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ مُحْدَثَاتُهُ، يُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وَيُوصِلُ وَيَقْطَعُ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَصْنَعُ، كَمَا نَطَقَتْ بِهِ آيَاتُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نِدَّ وَلَا ضِدَّ وَلَا ظَهِيرَ وَلَا وَزِيرَ، فَالْكُلُّ خَلْقُهُ وَإِلَيْهِ غَايَاتُهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَشَهِيدُهُ عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، مَنْ بَهَرَتِ الْعُقُولَ مُعْجِزَاتُهُ، وَأَعْجَزَتِ النُّقُولَ دَلَائِلُ نُبُوَّتِهِ وَإِرْهَاصَاتُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَصْهَارِهِ وَأَحِبَّائِهِ، وَأَنْصَارِهِ وَأَحْزَابِهِ، مَا دَامَتْ آلَاءُ اللَّهِ وَأَرْضُهُ وَسَمَاوَاتُهُ، وَمَا انْقَشَعَتْ بِنُورِ رِسَالَاتِهِ غَيَاهِبُ الشِّرْكِ وَظُلُمَاتُهُ، وَابْتَسَمَتِ الْأَيَّامُ بَعْدَ عُبُوسِهَا، وَظَهَرَتِ الْأَحْكَامُ بَعْدَ طُمُوسِهَا، وَأَيْنَعَتِ الْأَوْقَاتُ بَعْدَ يُبُوسِهَا، وَوَلَّى ظَلَامُ الظُّلْمِ وَانْمَحَتْ آفَاتُهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى مَوْلَاهُ الْعَلِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَاجِّ أَحْمَدَ السَّفَارِينِيُّ الْأَثَرِيُّ الْحَنْبَلِيُّ: قَدْ كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ وَأَلْفٍ طَلَبَ

1 / 1

مِنَّا بَعْضُ أَصْحَابِنَا النَّجْدِيِّينَ أَنْ أَنْظِمَ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ اعْتِقَادَاتِ أَهْلِ الْأَثَرِ فِي سِلْكٍ سَهْلٍ لَطِيفٍ مُعْتَبَرٍ، لِيَسْهُلَ عَلَى الْمُبْتَدِئِينَ حِفْظُهُ، وَتَنْفَعَهُمْ مَعَانِيهِ وَلَفْظُهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ قِرَاءَتِهِمْ عَلَيْنَا مُخْتَصَرَاتِ الْعَقَائِدِ جُمْلَةً كَلُمْعَةِ الْإِمَامِ الْمُوَفَّقِ، وَمُخْتَصِرِ نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الْبَدْرِ الْبِلْيَانِيِّ، وَالْعَيْنِ وَالْأَثَرِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي وَالِدِ أَبِي الْمَوَاهِبِ، فَابْتَهَجَ قَلْبُهُ بِمَا أَوْقَفْنَاهُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ، فَتَعَلَّلْتُ بِاشْتِغَالِ (الْبَالِ، وَتَشْوِيشِ) الْخَاطِرِ بِالْبِلْبَالِ، وَتَشَتُّتِ الْأَفْكَارِ، (وَتَغَيُّرِ الْأَطْوَارِ)، فَأَلَحَّ بِالسُّؤَالِ وَالِالْتِمَاسِ، وَقَالَ مَا فِي فَرَاغِكَ عَنْ هَذِهِ الْخَوَاطِرِ وَاشْتِغَالِكَ بِهَذَا الْمَطْلُوبِ الْحَاضِرِ مُدَّةً مِنْ بَاسٍ، فَلَمَّا لَمْ يَنْدَفِعْ بِالِانْدِفَاعِ، وَلَمْ يُفِدِ التَّعْلِيلُ لِهَذَا الطَّالِبِ الْمُلْتَاعِ، نَظَمْتُ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ عَقَائِدِ السَّلَفِ فِي سِمْطِ عِقْدٍ أَبْهَى مِنَ اللَّآلِئِ الْبَهِيَّةِ، وَسَمَّيْتُهَا (الدُّرَّةَ الْمُضِيَّةَ فِي عِقْدِ أَهْلِ الْفِرْقَةِ الْمَرْضِيَّةِ)، وَعِدَّتُهَا مِائَتَا بَيْتٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، وَتَكْفِي وَتَشْفِي مِنْ مُعْظَمِ الْخِلَافِ الَّذِي ذَاعَ وَانْتَشَرَ. ثُمَّ بَعْدَ تَمَامِ نَظْمِهَا، وَالْفَرَاغِ مِمَّا أُودِعَ فِي ضِمْنِهَا مِنْ عِلْمِهَا، أَلَحَّ الْمَذْكُورُ وَإِخْوَانُهُ، وَذَوُوهُ وَخُلَّانُهُ عَلَى تَصْنِيفِ شَرْحٍ لِهَذَا الْعِقْدِ الَّذِي شَفَى وَأَبْرَى، وَقَالُوا: صَاحِبُ الْبَيْتِ بِالَّذِي فِيهِ أَدْرَى، فَتَجَشَّمْتُ تِلْكَ الْمَسَائِلَ الْوَعِرَةَ، وَالْمَدَارِكَ الَّتِي تَقَاعَسَ عَنْ إِدْرَاكِ حَقَائِقِهَا غَيْرُ الْأَلْمَعِيَّةِ الْمَهَرَةِ، فَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ غَيْرَ أَلْمَعِيٍّ وَلَا مَاهِرٍ، وَلَكِنِّي تَطَفَّلْتُ عَلَى مَا أَوْدَعَ حُذَّاقُ هَذَا الشَّأْنِ فِي الطُّرُوسِ وَالدَّفَاتِرِ، فَأَجَبْتُهُمْ إِنْجَاحًا لِمَطْلُوبِهِمْ، وَطَلَبًا لِشِفَاءِ صُدُورِهِمْ وَصَلَاحِ قُلُوبِهِمْ، وَعَوَّلْتُ فِيمَا قَصَدْتُ عَلَى الْمَوْلَى الْجَوَّادِ الْجَلِيلِ، فَهُوَ عَوْنِي وَحَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَسَمَّيْتُهُ (بِلَوَامِعِ الْأَنْوَارِ الْبَهِيَّةِ، وَسَوَاطِعِ الْأَسْرَارِ الْأَثَرِيَّةِ، لِشَرْحِ

1 / 2

الدُّرَّةِ الْمُضِيَّةِ فِي عِقْدِ الْفِرْقَةِ الْمَرْضِيَّةِ) . وَلِأُقَدِّمَ أَمَامَ الْمَطْلُوبِ مُقَدِّمَةً، تَشْتَمِلُ عَلَى عَشْرِ تَعْرِيفَاتٍ مُجَسَّمَةٍ، فَأَقُولُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْحَوْلِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى ذِي الْكَرَمِ وَالطَّوْلِ:

1 / 3

[الْمُقَدِّمَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى عِدَّةِ تَعْرِيفَاتٍ]
[التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ في تقسيم الملة المحمدية إلى اعتقاديات وعمليات]
(التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ)
اعْلَمْ أَنَّ الْمِلَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ تَنْقَسِمُ إِلَى اعْتِقَادِيَّاتٍ وَعَمَلِيَّاتٍ، فَالِاعْتِقَادِيَّاتُ هِيَ الَّتِي لَمْ تَتَعَلَّقْ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ، مِثْلَ: اعْتِقَادِ وُجُوبِ وُجُودِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَتُسَمَّى أَصْلِيَّةً أَيْضًا. وَالْعَمَلِيَّاتُ هِيَ مَا يَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ، وَتُسَمَّى فَرْعِيَّةً، فَالْمُتَعَلِّقُ بِالْعَمَلِيَّةِ عِلْمُ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ ; لِأَنَّهَا لَا تُسْتَفَادُ إِلَّا مِنْ (جِهَةِ) الشَّرْعِ، فَلَا يَسْبِقُ الْفَهْمُ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْأَحْكَامِ إِلَّا إِلَيْهَا، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالِاعْتِقَادِيَّاتِ هُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ، وَعِلْمُ الْكَلَامِ، وَعِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْعِلْمُ أَهَمَّ لِابْتِنَاءِ الْعَمَلِيَّاتِ عَلَيْهِ أَوْرَدُوا الْبَرَاهِينَ وَالْحُجَجَ عَلَيْهِ، وَاكْتَفَوْا فِي الْعَمَلِيَّاتِ بِالظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ خَالِيًا مِنَ الْبِدَعِ الْكَلَامِيَّةِ، وَالشُّبَهِ الْخَيَالِيَّةِ، وَالْخُصُومِ الْمُعْتَزِلِيَّةِ، لَمْ تَكُنْ أَدِلَّةُ عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ مُدَوَّنَةً هَذَا التَّدْوِينَ، فَلَمَّا كَثُرَتِ الشُّبَهُ وَالْبِدَعُ، وَانْتَشَرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفَشَا وَسَطَعَ، وَصَارَ كُلُّ إِمَامِ بِدْعَةٍ لَهُ نِحْلَةٌ يُعَوِّلُ عَلَيْهَا، وَعَقِيدَةٌ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهَا، وَأَوْضَاعٌ يَرْجِعُ فِي مُهِمَّاتِهِ إِلَيْهَا، دَوَّنَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ قَوَاعِدَهُ الْمَعْلُومَةَ، وَأَوْضَاعَهُ الْمَفْهُومَةَ، لِدَفْعِ الشُّبَهِ وَالْخُصُومِ، وَرَدِّهِمْ عَنْ تَهَافُتِهِمْ إِلَى الصَّوَابِ الْمَعْلُومِ، عَنِ النَّبِيِّ الْمَعْصُومِ.
وَعِلْمُ الْكَلَامِ هُوَ عِلْمٌ يُقْتَدَرُ مَعَهُ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ أَيِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى دِينِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُطَابِقَةً لِلْوَاقِعِ ; لِعَدَمِ إِخْرَاجِ الْخَصْمِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، وَالْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، عَنْ أَنْ

1 / 4

يَكُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ، وَإِنْ خَطَّأْنَاهُ أَوْ كَفَّرْنَاهُ. (وَقِيلَ): تَعْرِيفُ عِلْمِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ التَّوْحِيدُ وَأُصُولُ الدِّينِ: الْعِلْمُ بِالْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، أَيِ الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا الْيَقِينِيَّةِ، سَوَاءٌ تَوَقَّفَتْ عَلَى الشَّرْعِ كَالسَّمْعِيَّاتِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الدِّينِ فِي الْوَاقِعِ كَكَلَامِ أَهْلِ الْحَقِّ أَوْ لَا كَكَلَامِ الْمُخَالِفِ، وَاعْتُبِرَ فِي أَدِلَّتِهَا الْيَقِينُ ; لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ بَلْ فِي الْعَمَلِيَّاتِ، " وَمَوْضُوعُهُ " هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إِثْبَاتُ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ، إِذْ مَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ مَا يُبْحَثُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ عَنْ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُبْحَثُ فِي هَذَا الْعِلْمِ عَنْ أَحْوَالِ الصَّنَائِعِ، مِنَ الْقِدَمِ وَالْوَحْدَةِ، وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهَا لِيُعْتَقَدَ ثُبُوتُهَا لَهُ تَعَالَى، وَأَحْوَالِ الْجِسْمِ وَالْعَرَضِ مِنَ الْحُدُوثِ وَالِافْتِقَارِ وَالتَّرْكِيبِ مِنَ الْأَجْزَاءِ، وَقَبُولِ الْفَنَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِيُثْبَتَ لِلصَّانِعِ مَا ذُكِرَ مِمَّا هُوَ عَقِيدَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ، أَوْ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا.
وَكُلُّ هَذَا بَحْثٌ عَنْ أَحْوَالِ الْمَعْلُومِ كَإِثْبَاتِ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ زَعْمِ أَنَّ مَوْضُوعَهُ ذَاتُ اللَّهِ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ - لِلْبَحْثِ عَنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الِاعْتِقَادَاتِ الْإِسْلَامِيَّةَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكَلَامِيَّةِ، بَلْ إِنَّمَا نَأْخُذُهَا مِنَ النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ بِالْأَوْضَاعِ الْكَلَامِيَّةِ إِلَّا دَفْعَ شُبَهِ الْخُصُومِ وَالْفِرَقِ الضَّالَّةِ عَنِ الطُّرُقِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ طَعَنُوا فِي بَعْضٍ مِنْهَا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَبُيِّنَ لَهُمْ بِالْقَوَاعِدِ الْكَلَامِيَّةِ مَعْقُولِيَّةُ ذَلِكَ الْبَعْضِ.
(وَاسْتِمْدَادُ) هَذَا الْفَنِّ مِنَ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ الثَّابِتِ، وَالْفِقْهِ وَالْإِجْمَاعِ وَالنَّظَرِ. (وَمَسَائِلُهُ) الْقَضَايَا النَّظَرِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ. (وَغَايَتُهُ) أَنْ يَصِيرَ الْإِيمَانُ وَالتَّصْدِيقُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مُتْقَنًا مُحْكَمًا لَا تُزَلْزِلُهُ شُبْهَةٌ مِنْ شُبَهِ الْمُبْطِلِينَ. (وَمَنْفَعَتُهُ) فِي الدُّنْيَا انْتِظَامُ أَمْرِ الْمَعَاشِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْعَدْلِ وَالْمُعَامَلَةِ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي إِبْقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى الْفَسَادِ، وَفِي الْآخِرَةِ النَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْكُفْرِ وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ. وَسَيَأْتِي حَدُّ كُلِّ بَحْثٍ مِنْ هَذَا عِنْدَ ذِكْرِهِ فِي النَّظْمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَاللَّهُ - تَعَالَى - الْمُوَفِّقُ.

1 / 5

[التَّعْرِيفُ الثاني تنازع الصحابة في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في مسائل الصفات]
(الثَّانِي)
اعْلَمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ، وَهُمْ سَادَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَكْمَلُ الْأُمَّةِ إِيمَانًا بِلَا انْفِصَامٍ، وَلَكِنْ بِحَمْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، بَلْ كُلُّهُمْ عَلَى إِثْبَاتِ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَكَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، لَمْ يَسُومُوهَا تَأْوِيلًا، وَلَمْ يُحَرِّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا تَبْدِيلًا، وَلَمْ يُبْدُوا لِشَيْءٍ مِنْهَا إِبْطَالًا، وَلَا ضَرَبُوا لَهَا مِثَالًا، وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْ صُدُورِهَا وَأَعْجَازِهَا، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: يَجِبُ صَرْفُهَا عَنْ حَقَائِقِهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى مَجَازِهَا. بَلْ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَقَابَلُوهَا بِالْإِيمَانِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلَمْ يَفْعَلُوا كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ حَيْثُ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، فَأَقَرُّوا بِبَعْضِ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَأَنْكَرُوا بَعْضَهَا مِنْ غَيْرِ فُرْقَانٍ مُبِينٍ، مَعَ أَنَّ اللَّازِمَ لَهُمْ فِيمَا أَنْكَرُوهُ كَاللَّازِمِ لَهُمْ فِيمَا أَقَرُّوا بِهِ وَأَثْبَتُوهُ، فَأَهْلُ الْإِيمَانِ إِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، رَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا رُتِّبَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ، فَكُلُّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ مَسَائِلِ الدِّينِ، دِقُّهُ وَجُلُّهُ، جَلِيُّهُ وَخَفِيُّهُ، رَدُّوهُ إِلَيْهِمَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بَيَانُ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ، لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِالرَّدِّ إِلَيْهِ، إِذْ مِنَ الْمُمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِالرَّدِّ عِنْدَ النِّزَاعِ إِلَى مَنْ لَا يُوجَدُ عِنْدَهُ فَصْلُ النِّزَاعِ، وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ إِلَى اللَّهِ هُوَ الرَّدُّ إِلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدَّ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ هُوَ الرَّدُّ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فِي حَيَاتِهِ، وَإِلَى سُنَّتِهِ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ هَذَا الرَّدَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْإِيمَانِ وَلَوَازِمِهِ، فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى الْإِيمَانُ ضَرُورَةً انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ، وَلَا سِيَّمَا التَّلَازُمِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّهُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْآخَرِ، وَقَدْ نَهَى الصِّدِّيقُ ثُمَّ الْفَارُوقُ وَمَنْ بَعْدَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَعُوهَا، وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمْ أَنْ يَحْفَظُوهَا، فَقَالُوا فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِمْ، فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا. وَقَالَ ﵁: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فِي الدِّينِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَرُدُّ أَمْرَ رَسُولِ

1 / 6

اللَّهِ ﷺ بِرَأْيِي، فَأَجْتَهِدُ وَلَا آلُو، وَذَلِكَ يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ - (يَعْنِي: يَوْمَ قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ) .
وَأَضَلُّ كُلِّ رَأْيٍ وَأَبْطَلُهُ وَأَفْسَدُهُ وَأَعْطَلُهُ الرَّأْيُ الْمُتَضَمِّنُ لِتَعْطِيلِ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِالْمَقَايِيسِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي وَضَعَهَا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ، حَيْثُ اسْتَعْمَلُوا قِيَاسَاتِهِمُ الْفَاسِدَةَ وَآرَائَهُمُ الْبَاطِلَةَ، وَشُبَهَهُمُ الدَّاحِضَةَ فِي رَدِّ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ وَالْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ، فَرَدُّوا لِأَجْلِهَا أَلْفَاظَ النُّصُوصِ الَّتِي وَجَدُوا السَّبِيلَ إِلَى تَكْذِيبِ رُوَاتِهَا وَتَخْطِئَتِهِمْ، وَحَرَّفُوا الْمَعَانِيَ الَّتِي لَمْ يَجِدُوا إِلَى رَدِّ أَلْفَاظِهَا سَبِيلًا، فَقَابَلُوا النَّوْعَ الْأَوَّلَ بِالتَّكْذِيبِ، وَالنَّوْعَ الثَّانِيَ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ، فَأَنْكَرُوا رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنْكَرُوا كَلَامَهُ وَتَكْلِيمَهُ لِعِبَادِهِ، وَأَنْكَرُوا مُبَايَنَتَهُ لِلْعَالَمِ وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ، وَعُمُومَ قُدْرَتِهِ، وَحَرَّفُوا النُّصُوصَ عَنْ مَوَاضِعِهَا، وَأَخْرَجُوهَا عَنْ مَعَانِيهَا وَحَقَائِقِهَا بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ أَنَّهُ زُبَالَةُ الْأَذْهَانِ، وَنُخَالَةُ الْأَفْكَارِ، وَعُصَارَةُ الْآرَاءِ، وَوَسَاوِسُ الصُّدُورِ، فَمَلَئُوا بِهِ الْأَوْرَاقَ سَوَادًا، وَالْقُلُوبَ شُكُوكًا، وَالْعَالَمَ فَسَادًا، فَكُلُّ مَنْ لَهُ مَسْكَةٌ مِنْ عِلْمٍ وَدُرْبَةٌ مِنْ فَهْمٍ، يَعْلَمُ أَنَّ فَسَادَ الْعَالَمِ وَخَرَابَهُ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَقْدِيمِ الرَّأْيِ عَلَى الْوَحْيِ، وَالْهَوَى عَلَى النَّقْلِ، وَمَا اسْتُحْكِمَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ الْفَاسِدَانِ فِي قَلْبٍ إِلَّا اسْتَحْكَمَ هَلَاكُهُ، وَلَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا وَفَسَدَ أَمْرُهَا أَتَمَّ فَسَادٍ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: رَأْيُ فُلَانٍ وَرَأْيُ فُلَانٍ وَرَأْيُ فُلَانٍ عِنْدِي سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي الْآثَارِ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِسَنَدِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁:
دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ آثَارُ ... نِعْمَ الْمَطِيَّةُ لِلْفَتَى الْأَخْبَارُ
لَا تَعْدُ عَنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ ... فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ
وَلَرُبَّمَا جَهِلَ الْفَتَى طُرُقَ الْهُدَى ... وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَهَا أَنْوَارُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَحْسَنَ:
الْعِلْمُ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ ... قَالَ الصَّحَابَةُ لَيْسَ خُلْفٌ فِيهِ
مَا الْعِلْمُ نَصْبَكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهَةً ... بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ رَأْيِ فَقِيهِ

1 / 7

كَلَّا وَلَا رَدُّ النُّصُوصِ تَعَمُّدًا
حَذَرًا مِنَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ ... حَاشَا النُّصُوصِ مِنَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ
مِنْ فِرْقَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْوِيهِ.
ثُمَّ إِنَّ الرَّأْيَ الْمَذْمُومَ هُوَ الرَّأْيُ الْمُجَرَّدُ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قِيَاسٍ جَلِيٍّ، بَلْ هُوَ خَرْصٌ وَتَخْمِينٌ، فَهَذَا الرَّأْيُ الَّذِي وَرَدَ التَّحْذِيرُ مِنْهُ وَالتَّنْفِيرُ عَنْهُ، وَأَمَّا الرَّأْيُ الْمُسْتَنِدُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنَ النَّصِّ وَحْدَهُ، أَوْ مِنْ نَصٍّ آخَرَ مَعَهُ فِي الْأَحْكَامِ، فَهَذَا مِنْ أَلْطَفِ فَهْمِ النُّصُوصِ وَأَدَقِّهِ، وَمَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ مِمَّا يُشْعِرُ بِمَدْحِ الرَّأْيِ وَقَبُولِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[التَّعْرِيفُ الثالث في الرأي والتأويل وسبب انتشار البدع]
(الثَّالِثُ)
الرَّأْيُ مَصْدَرُ رَأَى رَأْيًا مَهْمُوزٌ، وَالْجَمْعُ آرَاءٌ، وَهُوَ التَّفَكُّرُ فِي مَبَادِئِ الْأُمُورِ وَنَظَرِ عَوَاقِبِهَا وَعِلْمِ مَا تَئُولُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُمْ أَهْلُ الْقِيَاسِ وَالتَّأْوِيلِ، كَأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ. وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ضِدُّ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ مِنْ دَاوُدَ وَابْنِ حَزْمٍ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ. وَأَصْحَابُ التَّأْوِيلِ ضِدُّ أَصْحَابِنَا مِنْ أَتْبَاعِ الْمَأْثُورِ، وَالْمُرُورِ كَمَا جَاءَ مَعَ التَّفْوِيضِ، وَاعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وَكَانَ سَبَبُ انْتِشَارِ الْبِدَعِ وَظُهُورِهَا، وَزِيَادَتِهَا وَنُشُورِهَا، الْمَأْمُونَ بْنَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ، سَابِعُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأُمُّهُ (أَمَةٌ)، اسْمُهَا مَرَاجِلُ، وَلِيَ الْخِلَافَةَ سَنَةَ مِائَةٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي الْعَبَّاسِ - حَزْمًا وَعَزْمًا، وَحِلْمًا وَعِلْمًا، وَرَأْيًا وَدَهَاءً، وَشَجَاعَةً وَبَرَاعَةً، وَفَصَاحَةً وَسَمَاحَةً، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا مُعْتَزِلِيًّا قَدَرِيًّا، فَهُوَ خَبِيثُ الِاعْتِقَادِ، كَبِيرُ الْفَسَادِ وَالْعِنَادِ.
وَفِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ وَإِحْدَى عَشَرَ أَمَرَ أَنْ يُنَادَى: بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِمَّنْ ذَكَرَ مُعَاوِيَةَ

1 / 8

﵁ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْخُلَفَاءِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَفِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ، أَظْهَرَ الْمَأْمُونُ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ مُضَافًا إِلَى تَفْضِيلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. فَاشْمَأَزَّتْ مِنْهُ النُّفُوسُ، وَدَعَا النَّاسَ لِرَأْيِهِ الْمَعْكُوسِ، وَكَادَتِ الْفِتَنُ أَنْ تَقُومَ عَلَى سَاقِهَا. فَكَفَّ عَنْ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ، فَامْتُحِنَ النَّاسُ بِالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَأَجَابَ مَنْ أَجَابَ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَامْتَنَعَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁ وَمَنِ امْتَنَعَ مَعَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَطُلِبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَهَلَكَ الْمَأْمُونُ وَلَمْ يَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَكَانَ هَلَاكُ الْمَأْمُونِ فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا هَادَنَ بَعْضَ مُلُوكِ النَّصَارَى - أَظُنُّهُ صَاحِبَ جَزِيرَةِ قُبْرُسَ - طَلَبَ مِنْهُ خِزَانَةَ كُتُبِ الْيُونَانِ، وَكَانَتْ عِنْدَهُمْ مَجْمُوعَةً فِي بَيْتٍ لَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَجَمَعَ الْمَلِكُ خَوَاصَّهُ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَاسْتَشَارَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَكُلُّهُمْ أَشَارُوا بِعَدَمِ تَجْهِيزِهَا إِلَيْهِ إِلَّا مَطْرَانٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: جَهِّزْهَا إِلَيْهِمْ، فَمَا دَخَلَتْ هَذِهِ الْعُلُومُ عَلَى دَوْلَةٍ شَرْعِيَّةٍ إِلَّا أَفْسَدَتْهَا، وَأَوْقَعَتْ بَيْنَ عُلَمَائِهَا.
قَالَ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - كَانَ يَقُولُ: مَا أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ عَنِ الْمَأْمُونِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَابِلَهُ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ مَعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ إِدْخَالِ هَذِهِ الْعُلُومِ الْفَلْسَفِيَّةِ بَيْنَ أَهْلِهَا. قَالَ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ: لَمْ يَبْتَكِرِ الْمَأْمُونُ النَّقْلَ وَالتَّعْرِيبَ، بَلْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَهُ كَثِيرٌ، فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيَّ عَرَّبَ مِنْ كُتُبِ الْفُرْسِ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ، وَعَرَّبَ لِأَجْلِهِ كِتَابَ الْمَجِسْطِيِّ مِنْ كُتُبِ الْيُونَانِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ عَرَّبَ كُتُبَ الْيُونَانِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، لِمَا وَلِعَ بِكُتُبِ الْكِيمْيَاءِ.
ثُمَّ قَالَ الصَّفَدِيُّ: وَالْخِلَافُ مَا زَالَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مُنْذُ تُوُفِّيَ ﷺ حَتَّى فِي مَوْتِهِ وَدَفْنِهِ وَأَمْرِ الْخِلَافَةِ بَعْدَهُ، وَأَمْرِ مِيرَاثِهِ، وَأَمْرِ قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ فِي نَفْسِ مَرَضِهِ ﷺ لَمَّا

1 / 9

قَالَ: " ائْتُونِي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاسٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِي. عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوَاطِنِهِ، وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» ". وَهُوَ ﷺ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ، وَمَتَى افْتَرَقَتْ خَالَفَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَمَتَى خَالَفَتْ تَمَسَّكَتْ بِشُبَهٍ وَحُجَجٍ، وَنَاظَرَ كُلَّ فِرْقَةٍ مَنْ تُخَالِفُهَا، فَانْفَتَحَ بَابُ الْجَدَلِ، وَاحْتَاجَ كُلُّ أَحَدٍ إِلَى تَرْجِيحِ مَذْهَبِهِ وَقَوْلِهِ بِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ أَوْ نَقْلِيَّةٍ أَوْ مُرَكَّبَةٍ مِنْهُمَا، فَهَذَا الْأَمْرُ كَانَ مَأْمُونًا قَبْلَ الْمَأْمُونِ، نَعَمْ زَادَ الشَّرُّ وَالضَّرَرُ، وَقَوِيَتْ بِهِ حُجَجُ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ وَمُخَالِفُو السُّنَّةِ مُقَدِّمَاتٍ عَقْلِيَّةً مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، فَأَدْخَلُوهَا فِي مَبَاحِثِهِمْ، وَفَرَّجُوا بِهَا مَضَايِقَ جِدَالِهِمْ، وَبَنَوْا عَلَيْهَا قَوَاعِدَ بِدَعِهِمْ، فَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ، وَكَادَ مَنَارُ الْحَقِّ الْوَاحِدِ يَشْتَبِهُ بِالثَّلَاثِ الْأَثَافِيِّ وَالرُّسُومِ الْبَلَاقِعِ، عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ الشَّرِيفَةَ مَرْفُوعَةُ الْمَنَارِ، مَأْمُونَةُ السِّرَارِ، خَافِقَةُ الْأَعْلَامِ، رَاسِخَةُ الْأَحْلَامِ، بَاهِرَةُ السَّنَا، سَاطِعَةُ الْجَنَى.
وَيَزِيدُهَا مَرُّ اللَّيَالِي جِدَّةً ... وَتَقَادُمُ الْأَيَّامِ حُسْنَ شَبَابِ
وَأَهْلُ السُّنَّةِ قَدْ فَتَحَ لَهُمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مُغْلَقَ أَبْوَابِهَا، وَذَلَّلُوا بِالشَّوَاهِدِ الصَّادِقَةِ الصَّادِعَةِ مَا جَمَحَ مِنْ صِعَابِهَا، وَأَطْلَقُوا نِيَرَهَا الْأَعْظَمَ، فَطَمَسَ مِنَ الْبِدَعِ تَأَلُّقَ شِهَابِهَا، وَأَجْنَوْا مَنِ اتَّبَعَ هَدْيَهُمْ ثَمَرَ الْيَقِينِ مُتَّحِدَ النَّوْعِ وَإِنْ كَانَ مُتَشَابِهًا، وَجَاسُوا خِلَالَ الْحَقِّ فَمَيَّزُوهُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ أَخْبَرُ بِشِعَابِهَا.
وَمَنْ قَالَ إِنَّ الشُّهْبَ أَكْبَرُهَا السُّهَا ... بِغَيْرِ دَلِيلٍ كَذَّبَتْهُ الدَّلَائِلُ
وَمَا ذَكَرَهُ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ مِمَّا يُشَمُّ مِنْهُ رَائِحَةُ الْعُذْرِ لِلْمَأْمُونِ عَمَّا أَدْخَلَهُ عَلَى الْأُمَّةِ فِيهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ، فَأَصْلُ الْخِلَافِ كَانَ مَوْجُودًا إِلَّا أَنَّهُ فِي أُمُورٍ يَسْهُلُ بَعْضُهَا بِخِلَافِ مَا فَشَا بِفِتْنَةِ الْمَأْمُونِ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِهِ الْعَرْشِ: لَمَّا وَلِيَ الْمَأْمُونُ وَكَانَ مُتَكَلِّمًا عُرِّبَتْ لَهُ كُتُبُ الْأَوَائِلِ، فَدَعَا

1 / 10