401

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

الناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

دمشق

" «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَبَابَهُمْ» ". قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: لِأَنَّ الشَّيْخَ قَدْ عَسَا فِي الْكُفْرِ فَإِسْلَامُهُ بِعِيدٌ، بِخِلَافِ الشَّابِّ، فَإِنَّ قَلْبَهُ لَيِّنٌ، فَهُوَ قَرِيبٌ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّيْخَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ بَلْ وَجُمْهُورَ الْأُمَّةِ وَأَكْثَرَ الْأَئِمَّةِ جَزَمُوا بِقَبُولِ تَوْبَةِ كُلِّ زِنْدِيقٍ وَمُنَافِقٍ وَمُلْحِدٍ وَمَارِقٍ ظَاهِرًا، وَوَكَلُوا سَرِيرَتَهُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -، وَالْمَشْهُورُ فِقْهًا عَدَمُ تَوْبَتِهِمْ كَمَا مَرَّ، وَقَدْ تَوَسَّطْتُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِيمَا أُشِيرُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «قُلْتُ وَإِنْ دَلَّتْ» مِنَ الشَّخْصِ التَّائِبِ، وَالْمُسْلِمِ الْآيِبِ «دَلَائِلُ الْهُدَى» وَقَرَائِنُ الْأَحْوَالِ «كَمَا جَرَى لِـ» الرَّجُلِ الصَّالِحِ الْفَاضِلِ حَسَنٍ «الْعَيْلَبُونِيِّ» نِسْبَةً إِلَى بَلْدَةِ عَيْلَبُونَ، وَهِيَ بُلَيْدَةٌ مَا بَيْنَ قَرْيَةِ حِطِّينَ وَدَيْرِ حَنَّا، كَانَتْ لِطَائِفَةٍ مِنَ الدُّرُوزِ وَمَسْكَنًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِ صَفَدَ، وَكَانَ هُوَ دُرْزِيًّا مِنْ جُمْلَتِهِمْ، فَتَابَ وَرَجَعَ عَنْ كُفْرِهِ وَإِلْحَادِهِ وَزَنْدَقَتِهِ وَعِنَادِهِ، وَحَسُنَ حَالُهُ وَصَلُحَتْ أَعْمَالُهُ، وَأَقْبَلَ بِقَلْبِهِ وَقَالَبِهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَرَفَضَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَالضَّلَالِ، وَالْأَوْهَامِ، فَمَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ وَاتِّبَاعُ الْهُدَى، وَرَفْضُ الضَّلَالِ وَالْإِضْلَالِ وَالرَّدَى «فَإِنَّهُ» أَيِ الْعَيْلَبُونِيَّ «أَذَاعَ» أَيْ نَشَرَ وَأَظْهَرَ «مِنْ أَسْرَارِهِمْ» أَيْ مِنْ أَسْرَارِ طَائِفَةِ الدُّرُوزِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَانْتِحَالِهِمْ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَى الْمَحَارِمِ مِنَ الْبَنَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ، وَأَكَلِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَرَفْضِهِمُ الْعِبَادَاتِ، وَإِنْكَارِهِمُ الشَّرَائِعَ، وَارْتِكَابِهِمُ الضَّلَالَاتِ «مَا» أَيْ شَيْئًا كَثِيرًا «كَانَ فِيهِ» أَيْ ذَلِكَ الْمُذَاعِ «الْهَتْكُ» أَيِ الْكَشْفُ، وَالظُّهُورُ، وَالْإِبَانَةُ «عَنْ أَسْتَارِهِمْ» الَّتِي كَانُوا يَكْتُمُونَهَا وَيَسْتَتِرُونَ بِإِظْهَارِهِمُ الْإِسْلَامَ تَقِيَّةً، مَعَ عُكُوفِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ الصُّرَاحِ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَا حَرَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَلَهُمْ مِنَ الِاصْطِلَاحَاتِ الَّتِي يُرِيدُونَ لَهَا مَعَانٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ غَيْرَ ظَوَاهِرِهَا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ كُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى عَقَائِدِهِمْ، وَأَظْهَرَهُ الْعَيْلَبُونِيُّ مِنْ مَقَاصِدِهِمْ، فَيَجْعَلُونَ الصَّلَاةَ مَعْرِفَةَ أَسْرَارِهِمْ، وَيُرِيدُونَ بِالصَّوْمِ كِتْمَانَ أَسْرَارِهِمْ، وَبِالْحَجِّ قَصْدَهُمْ عِقَالَهُمْ، وَمِنْ نَحْوِ هَذَا الْهَذَيَانِ مَا يُخَالِفُونَ بِهِ جَمِيعَ الْأَدْيَانِ، فَمَنْ ظَهَرَتْ قَرَائِنُ إِسْلَامِهِ وَدَلَائِلُ صِدْقِهِ وَالْتِزَامِهِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ

1 / 401

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية | أصول