400

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

الناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

دمشق

فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَغْفِرُ كُلَّ ذَنَبٍ مِنَ الشِّرْكِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، فَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْأَفْعَالِ مُطْلَقَةٌ فِي الْأَشْخَاصِ، مُخْتَصَّةٌ بِالتَّائِبِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ - تَعَالَى - يَغْفِرُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ، وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ يَغْفِرُ لِكُلِّ مُذْنِبٍ، بَلْ قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا، فَمَنْ تَابَ مِنَ الْكُفْرِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ حَيْثُ كَانَتِ التَّوْبَةُ قَبْلَ مَجِيءِ الْعَذَابِ وَقَبْلَ الْغَرْغَرَةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ وَمَنْ نَحَا مَنْحَاهُ لَمْ يَمْنَعْ تَوْبَةَ تَائِبٍ مِنْ زِنْدِيقٍ وَمُنَافِقٍ وَسَاحِرٍ، وَدَاعِيَةِ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ، وَقَاتِلِ نَفْسٍ، وَلَا مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠]: أَيْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتُوا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّائِبَ رَاجِعٌ عَنِ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَإِنَّهُ مُسْتَمِرٌّ يَزْدَادُ كُفْرًا بَعْدَ كُفْرٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: ثُمَّ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ وَاسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ، فَهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] أَيِ ازْدَادَ كُفْرُهُمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ، يَعْنِي عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا مَنْ تَابَ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ فَقَدْ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ، وَرَجَعَ عَنْ كُفْرِهِ، فَلَمْ يَزْدَدْ كُفْرًا بَلْ نَقَصَ بِخِلَافِ الْمُصِرِّ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي إِلَى حِينِ الْمُعَايَنَةِ، فَإِنَّهُ فِي ازْدِيَادٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا بَقِيَ لَهُ زَمَانٌ مُخَفِّفٌ لِبَعْضِ كُفْرِهِ فَضْلًا عَنْ هَدْمِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ سُئِلَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ اللَّهَ ﷿ احْتَجَزَ التَّوْبَةَ عَنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ»، وَحَجْزُ التَّوْبَةِ أَيُّ شَيْءٍ مَعْنَاهُ؟ فَقَالَ: لَا يُوَفَّقُ وَلَا يُيَسَّرُ صَاحِبُ بِدْعَةٍ لِتَوْبَةٍ. «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] فَقَالَ ﷺ: هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ لَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَةٌ» . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْمُبْتَدِعِ الْفَاسِدِ يَدْعُوهُ إِلَى أَلَّا يَنْظُرَ نَظَرًا تَامًّا إِلَى دَلِيلٍ خِلَافِهِ، فَلَا يَعْرِفُ الْحَقَّ ; وَلِهَذَا قَالَ السَّلَفُ: إِنَّ الْبِدْعَةَ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا يَرْجِعُ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا: التَّوْبَةُ مِنَ الِاعْتِقَادِ الَّذِي كَثُرَ مُلَازَمَةُ صَاحِبِهِ لَهُ وَمَعْرِفَتُهُ بِحُجَجِهِ - تَحْتَاجُ إِلَى مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ وَالْأَدِلَّةِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:

1 / 400

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية | أصول