كشف الغمة
الناس عنده وأقربهم إلى قلبه، فنظر الاسقف إلى العاقب والسيد وعبد المسيح، وقال لهم: انظروا قد جاء بخاصته من ولده وأهله ليباهل بهم واثقا بحقه، والله ما جاء بهم وهو يتخوف الحجة عليه فاحذروا مباهلته، والله لو لا مكانة قيصر لأسلمت له ولكن صالحوه على ما يتفق بينكم، وارجعوا إلى بلادكم وارتئوا لأنفسكم [1]، فقالوا: رأينا لرأيك تبع، فقال الاسقف: يا أبا القاسم، إنا لا نباهلك ولكنا نصالحك، فصالحنا على ما ننهض به، فصالحهم على ألفي حلة قيمة كل حلة أربعون درهما جيادا، فما زاد أو نقص كان بحساب ذلك، وكتب لهم به كتابا.
ففي هذه القضية بيان لفضل علي (عليه السلام)، وظهور معجز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن النصارى علموا أنهم متى باهلوه حل بهم العذاب، فقبلوا الصلح، ودخلوا تحت الهدنة، وإن الله تعالى أبان أن عليا هو نفس رسول الله، كاشفا بذلك عن بلوغه نهاية الفضل، ومساواته للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكمال والعصمة والآثام، وإن الله جعله وزوجته وولديه مع تقارب سنهما حجة لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبرهانا على دينه، ونص على الحكم بأن الحسن والحسين أبناؤه، وأن فاطمة (عليها السلام) نساؤه والمتوجه إليهن الذكر والخطاب في الدعاء إلى المباهلة والاحتجاج، وهذا فضل لم يشاركهم فيه أحد من الامة وأقاربهم.
ونقلت من كتاب الكشاف للزمخشري في تفسير هذه الآية ما صورته: يقال:
بهلة الله على الكاذب منا ومنكم، والبهلة- بالضم والفتح-: اللعنة، وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته، من قولك أبهله، إذا أهمله، وناقة باهل لا صرار عليها.
قلت: الصرار خيط يشد على خلفها لئلا يرضعها ولدها.
قال: وأصل الابتهال هذا ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا
وروي أنه لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفضل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبير هم، ولا نبت صغير هم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا ألف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
صفحة ٢٣٤