يشتغل الموسيقي بتوقيع قطعة من ألحان موسيقى بيتهوفن مثلا فيعطس أحد الحاضرين عطسة قوية يسمعها الحاضرون خلال التوقيع فيضحكون، ليس في الاستماع إلى الموسيقى شعور مكرب تتخلص منه النفس بالضحك، ولكن الذي حدث أن العطسة غيرت مجرى الشعور أو حبسته عن المضي في طريقه المألوف، فتنقله هذه المفاجأة من أعصاب الحس إلى العضلات، ويحدث الضحك من جراء هذا الانتقال.
ويقف العاشقان على المسرح يتناجيان ويتغاضبان أو يتراضيان، وإذا بجدي يضل طريقه ويذهب إلى العاشقين فيقطع عليهما وعلى النظارة هذه المناجاة، فيحدث من هذه المفاجأة ما أحدثته العطسة القوية أثناء سماع الموسيقى، ويضحك النظارة الذين كانوا يرقبون منظر المناجاة ولم يكن فيه ما يكربهم أو يحبون التخلص منه بالضحك، وإنما يغلبهم الضحك لانتقال الشعور من وجهته المطردة، ولا بد له إذن أن ينتقل من أعصاب الحس إلى العضلات.
يقول سبنسر: ولا يحدث هذا لجميع السامعين إذا كان فيهم من يستغرقه الشعور بالموقف ولا يدع فيه بقية للانتقال منه والالتفات إلى غيره، فإن هؤلاء قد يغفلون عنه أو يغضبون لتنبيههم من الشعور الذي هم مستغرقون فيه.
ويقول سبنسر: إن المؤثرات لها في الإنسان ثلاثة منافذ: منفذ الحس، ومنفذ الفكر، ومنفذ الحركة العضلية، وإنها كلها قابلة للتحول من منفذ إلى منفذ سواء بدأت بالتفكير أو بدأت بالحس أو بدأت بحركة من العضلات.
فالرجل الذي يهرب من الخطر الداهم يجري وتشتغل عضلاته بهذه الحركة، ولكن هذه الحركة العضلية لا تستغرقه ولا تمنعه أن يفكر في الخطر والحيلة التي يحتالها أو العمل الذي يعمله للنجاة منه.
فإذا كان الخوف أهون من الخوف على الحياة فربما انصرف بالحركة وأصبحت الحركة ضربا من الرياضة التي يتشاغل بها الإنسان عن حالته النفسية.
والطفل يصفق إذا فرح؛ لأن شعوره ينتقل من الأعصاب إلى العضلات، وربما فرك الرجل الكبير كفيه في مثل هذه الحالة؛ لأنه تعود هذا الشعور أو تعود أن يتحول عنده إلى الفكر كما يتحول إلى العضلات.
ومما يدل في رأي سبنسر على أن الضحك من حركات رد الفعل أو من الحركات الانعكاسية أنها حركات لغير قصد أو حركات غير مقصودة بإرادة صاحبها، كأنها غمضة العين للوقاية أو رعشة البرد التي لا يريدها المقرور.
ويتبسط سبنسر في وصف تأثير هذه الانفعالات غير الإرادية، فيرى أن تأثير الشعور قد يعطل تفكير الخطيب على الرغم منه وهو واقف أمام الجماهير يحس وجودها ويخشى أن يتلعثم أمامها أو لا ينال موافقتها وإعجابها، ولو أنه وقف ليلقي خطابه أمام الكراسي الخالية لانطلق تفكيره بغير عائق من الحس والشعور، وهاهنا ثلاثة عوامل مشتركة في التأثير على الخطيب: عامل الحس إذ يرى الجماهير، وعامل الشعور إذ يخشى التقصير والخيبة، وعامل الفكر الذي يشغل الحس والشعور جانبا منه فلا ينطلق مع اشتراكها كما ينطلق على انفراد.
فالسريان بين منافذ الحس والتفكير والحركة طبيعي في المؤثرات النفسية، وكلها تجري في مجراها الطبيعي من الفكرة إلى الحس والحركة، أو من الحس إلى الحركة والفكر، أو من الحركة إلى الأحاسيس والأفكار.
صفحة غير معروفة