وهذا هو الرأي الذي توافقت عليه أقوال المتكلمين عن الضحك من عصر الفلسفة اليونانية إلى العصر الحديث، ولا حاجة إلى انتظار التعقيب الأخير على جملة الآراء لإظهار الخطأ في هذا التعليل الذي يصح في جانب واحد من المضحكات ولا يصح في جميع جوانبها، فإن الإنسان قد يضحك أحيانا حين يشعر أنه قد انخدع كما يضحك من غفلة غيره حين تجوز عليه الخديعة البينة، وليس في هذا دليل على الشعور برجحانه، بل هو دليل على شعور برجحان غيره عليه.
والمثل القريب على ذلك ما تقدم عن الضحك «الإجماعي» في مؤتمر الساسة الذين جلسوا لتضييق الخناق على نابليون ثم جاءهم الخبر فجأة بانطلاقه من جزيرة ألبا وعودته إلى فرنسا، فهذا موقف مغلوبين لا موقف غالبين، ولا يستقيم تفسيره بشعور الرجحان أو الانتصار من جانب الضاحكين.
وكل ما يثبت في جميع الحالات أن هناك مفاجأة وأن المفاجأة تخالف الحالة المطردة أو الاتجاه الذي يجري فيه الشعور، وبهذا يسهل تفسير الضحك ممن جلسوا ينظمون القارة الأوروبية بعد اعتقال نابليون كأنما هذا الاعتقال أمر مفروغ منه ثم تقع المفاجأة بما يخالف الحسبان.
إفراط المحدثين
وإذا كانت الشكوى من الثقافة القديمة قلة البحث في الضحك وأسبابه، فقد يكون الإفراط في هذا البحث شكوى القارئ من الثقافة الحديثة؛ لأنها توشك أن تتطلب منه تخصصا ثقافيا مقصورا عليها، وقد أثبت برجسون نحو أربعين مرجعا من الكتب والأصول ألم بها في رسالته عن الضحك، ويمكن أن يزاد عليها ثلاثة أضعافها من المراجع المتفرقة عن فلسفة المضحكات عامة أو عن موضوعات الفكاهة والنكتة في مزاج هذه الأمة أو تلك أو في آدابها ومأثوراتها.
ويعود هذا الإفراط في الكتابة عن الضحك إلى باعثين جديدين في العصور الحديثة: أحدهما نشأة علم الذوق أو علم الجمال الذي ينظر في الفروق بين الجميل والجليل والمضحك كما تعرضها الفنون الجميلة ولا سيما التمثيل، وكأنما كان اهتمام المحدثين بالتمثيل ورواياته وأدواره تجديدا لاهتمام أفلاطون وأرسطو بالتراجيدية والكوميدية، وملكات الشعراء الذين يكتبون في المحزنات والمضحكات، والملاحم الكبرى عن الأرباب والعبادات وما استطردت إليه من موضوعات لا علاقة لها بالدين، وقد تناقضه وتخالف الأدب الواجب للمعبودات وشعائر العبادة. فإن عودة الأدب المسرحي في العصور الحديثة كانت فاتحة البحوث الفنية والفلسفية في الموضوع من جميع جوانبه وأطرافه، فكان البحث فيه عن المضحك والمبكي والحسن والقبيح مقرونا بالبحث عن المقدس والقداسة في شعور الإنسان وفي الكائنات التي يقدسها ويرتفع إليها بالإجلال والابتهال، واستدعى تمثيل هذه الكائنات شعرا ونحتا وتصويرا أن توضع لها الحدود والتعريفات وتقام الفواصل بينها وبين ما يلتبس بها من المتشابهات أو المتناقضات.
هذا أحد الباعثين الجديدين إلى إفراط المحدثين في الكلام على الضحك وتعليل أسبابه وتطبيقه على الفنون المتجددة في الزمن الحديث.
أما الباعث الآخر فهو شيوع البحث في التطور ومذهب النشوء ... فإن هذا المذهب يفسر تعبيرات الإنسان عن خوالجه وعواطفه بما يوافق طبيعته الحيوانية، ويتقصى وجوه الشبه ووجوه الاختلاف بينه وبين سائر الأحياء في هذه التعبيرات، ويراقب ملامحه ليربط بينها وبين وظائفه الجسدية واستعداد هذه الوظائف لتلبية العوامل الداخلية والعوامل الخارجية.
ولا يسع الإنسان إلا أن يبتسم لتناقض النتائج التي وصل إليها أقطاب هذا المذهب بعد بحثهم في ظاهرة الضحك والفكاهة، فإن العالمين العظيمين اللذين توافيا - بغير التقاء بينهما - إلى تحقيق ظواهره وشواهده قد ذهبا إلى الطرفين المتقابلين في تعليل الضحك والفكاهة.
فمن رأي ألفرد رسل ولاس
صفحة غير معروفة