جامع أبي الحسن البسيوي جديد
مسألة: في الجبابرة ومن بلي بحق الجبابرة؛ فإن قدر على أن لا يدنو منهم فليفعل؛ لأنه قيل: إن الفتن على أبواب الجبابرة كقطع الليل المظلم.
فأما من بلي بجورهم ولم يعذروه وخاف على ماله وأهله، فدافعهم بماله ولطف مقاله يتقي بذلك شرهم من غير أن يكون في ذلك محبا لهم، ولا شادا على أعضادهم؛ فلا شيء عليه إذا كان في حد تقية، وفي بعض الحديث: "أن أصحاب الكهف كانوا يظهرون الكفر لقومهم، ويسرون الإيمان فيما بينهم فيؤجرون على ذلك، فيؤتون أجرهم مرتين".
وقد قيل: «إن أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر يقتل عليها صاحبها»، وقد أمر الله تعالى بالقيام بالقسط كله، وقال: {كونوا قوامين بالقسط} معنى قوامين: قوالين، {شهداء لله ولو على أنفسكم} فلا يجوز قول ولا عمل غير الحق والقيام بالقسط، ولا طاعة لآثم كفور كما قال الله: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا}، {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}، إلا أن الله تعالى قد وسع في التقية فقال: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، فقد أجاز التقية في القول، ولم يجز في الفعل.
ولم تخل الأرض من إمام عادل أمر الله بطاعته، أو سلطان ظالم أمر الله بمعصيته، أو أرض لا سلطان فيها، وأي ذلك كان فأحكام الله جارية في خلقه على ما أمر الله بها، والمؤمنون هم القوام بعدل ذلك وقسطه، وأولى الناس بذلك أئمة العدل الذين أمر الله بطاعتهم، وقال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وهم الأئمة.
ولا تجوز الأحكام والقضاء لأحد حتى يوليهم ذلك الإمام، ولا يكون الإمام إماما إلا عن تراضي أعلام المسلمين ومشورتهم، بذلك وقع اتفاقهم، وفي غير ذلك وقع اختلافهم.
صفحة ١٨٧