الإرشاد إلى نجاة العباد للعنسي
فقطعت عنك حبائل الآمال وحططت عن ظهر المطي رحال وروى أن هشام بن عبد الملك أمر أن يفرش له ضيعة، من شجر وكروم، وفنون النبات، ففرشت بأفخر الفرش، وأمر بإحضار ندمائه ومغنيه، وتقدم إلى الحجاب بضبط الأبواب، فبينا هو جالس إذ أقبل رجل جهير جميل ، فشخص هشام ببصره ينظر إليه متعجبا من هيئته حتى دنا فألقى صحيفة، ثم ولى فلم ير، فإذا فيها: بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد، فأمر بإحضار الحجاب فسألهم عن الرجل، فقالوا: ما رأينا أحدا فصرف ندماءه وقال: تكدر علينا هذا اليوم، فلم تمض عليه إلا أيام قليلة ومات.
فهؤلاء قوم لم ينظروا لأنفسهم، ولم يهتموا بدواء أدوائهم وألهتهم العاجلة عن الآجلة، فصارت صفقتهم الخاسرة، وتجارتهم البائرة.
وروى أن أبا جعفر انتبه مذعورا فقال: يا ربيع أتاني آت في منامي فأنشأ يقول:
كأني بهذا القصر قد باد أهله وأوحش منه ركنه ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجه وملك إلى قبر عليه جنادله
ولم يبق إلا ذكره وحديثه ينادى بليل معولات حلائله
فلم يعش بعد ذلك إلا عشرا، وهلك على غير توبة ولا إنابة، مع سماع النذير، ومع ما كان عليه من شدة الحذر وكثرة التدبير.
صفحة ٣٣٣