وقد كدت أن أخرج عن غرضي، فلأرجع إليه.
وأقول أن דוד ע"ה قد أتي بثلاثة أقسام في أسباب الموت، بقوله כי אם ה' יגפנו، وهو السبب الإلهي. או יומו יבא ומת وهو السبب الطبيعي. או במלחמה ירד ונספה وهو السبب الإتفاقي بالعرض. وترك القسم الرابع أعني الإختياري، لأنه لا يختار ذو عقل الموت، وإن كان שאול قد قتل نفسه فليس لإختياره الموت، لكن لمنافرته عذاب العدو له وعبثه به. ومثال هذه الأقسام في النطق لأن نطق الأنبياء في حين ملابسة רוח הקדש لهم في جميع كلامهم مقصود من الأمر الإلهي وليس إلى النبي تغيير كلمة من كلماته. والنطق الطبيعي هي الإشارات والإماءات المشاكلة للمعاني التي يراد التبعير عنها، وتبعث عليها النفس دون اصطلاح متقدم. وأما اللغات المصطلح عليها، فمركبة من الأمر الطبيعي والإختياري. وأما النطق الإتفاقي فهو نطق المجانين حين جنوهم لا ينتظم منه معنى ولا ينتهي إلى غرض مقصود. والنطق والإختياري هو كلام النبي في غير وقت النبوة، أو كلام العاقل المفكر يؤلف خطبه، يختار كلامه بحسب ما يراه لائق مقصوده، ولو شاء لبدل كل كلمة منها بغيرها، بل لو شاء لترك معنى وأخذ عيره. وقد تنسب جميع هذه الأقسام إلى الله تعالى بطريق التسلسل، لا بأنها عن قصد أول منه، وإلا فكلام الطفل وكلام الموسوسين وخطبة الخطيب وشعر الشاعر كلام الله - تعالى عن ذلك. وأما احتجاج العاجز على الحازم بقوله أنه قد سبق في علم الله ما سيكون، فليس بحجة،لأنه بمنزلة قوله لو قال أن الذي سيكون لا بد له أن يكون، يقال له نعم، ولكن ليس تمنع هذه الحجة من الأخذ بالرأي الأفضل فتستعد بالسلاح لعدوك، والقوت لجوعك، إذا صح عندك أن سلامتك أو هلاكك إنما يتم بالأسباب المتوسطة، ومن جملتها بل أكثرها أخذك بالحزم والعزم أو بالعجز والتواني، ولا تحتج بما يجري على الأقل وفي النادر وبطريق الاتفاق والعرض من هلاك الحازم وسلامة المنهمل والغافل، لأن اسم الأمن معنى محصل غير معنى اسم الغرر، وليس يفر العاقل إلى موضع غرر من موضع أمن، كما يفر من موضع غرر إلى موضع أمن. وما جرى في موضع الغرر من سلامة يقال أنه نادر. وما يجري في موضع الأمن من هلاك يقال أنه أمر خراج عن الطبع. فالأخذ بالحزم واجب، ومن أسباب الحزم رأيي هذا لمن اعتقده، ومن أسباب الانهمال الرأي المناقض لهذا الرأي.
والكل راجع بالتسلسل إلى الله تعالى. وأما الذي يكون بقضاء مجرد وذلك في الكرامات والمعجزات فهو يغني عن الأسباب المتوسطة وربما ألجأ إليها، كعصمة משה ע"ה من الجوع طول أربعين يوما دون الاستعداد بقوت. وهلاك قوم סנחריב دون سبب باد بل بأسباب إلهية ليست عندنا أسبابا لجهلنا بها. وفي تلك يقال أنه إن كان القضاء حقا فالجهد محال لأنه لا ينفع فيها الاستعداد، وذلك في الاستعدادات المحسوسة، وأما الاستعدادات النفسانية وهي أسرار الشريعة لمن علمها وأحكمها، فهي نافعة غالبة للخير ودافعة للشر. فإذا أخذ الإنسان بالحزم في الأسباب المتوسطة بعد التفويض فيما خفى عنه إلى الله بالنية الخالصة أصاب ولم يخب. وأما التغرير الصحيح اتكالا عند أمره بالطاعة لمن سبق في علمه أنه سيعصيه أو سيطيعه، فليس بعبث لأنا قد قدمنا وبينا أن العصيان أو الطاعة إنما يتم بالأسباب المتوسطة، فكان سبب طاعة الطائع الأمر بالطاعة. وهكذا سبق في علمه عصيان العاصي بالأسباب المتوسطة إما بصحبة أشرار أو بغلبة مزاج سوء أو ميل إلى دعة وراحة، وكان في وعظه تخفيف في عصيانه، فإن من المشهور أن للوعظ تأثيرا في النفس على كل حال، وأن العاصي تنفعل نفسه بسماع الوعظ وأن أقل انفعال، لا سيما إذا كان الوعظ لجمهور، فإن فيهم على كل حال قابلا، فقد نفع فليس بعبث.
أول المقدمات التي بها قوام هذا الرأي: الإقرار بالسبب الأول، وأنه صانع حكيم، ليس في أفعاله عبث، بل جميعها بحكمة ونظام لا يشوبها اختلال، وقد تقرر هذا في النفوس من استقراء جل الخلقة وما تأصل منها في نفس المتأمل حتى حصل له الإيمان بأن لا خلل في أفعاله، وإن ظهر إليه في الأقل خلل لم يختل إيمانه بذلك، بل نسبه إلى جهل نفسه وقلة تحصيله.
والمقدمة الثانية: الإقرار بأسباب متوسطة، لكن ليست فاعلة بل أسباب على طريق المادة أو على طريق الآلات، فإن المنى والدم مادة للإنسان، وأعضاء التناسل تؤلف بينهما، والأرواح والقوى آلات تتصرف بإرادة الله، فيتم شكله وتخطيطه ونموه واغتذاؤه، حتى في الشيء المخترع قد يحتاج فيه إلى السبب المتوسط، كالتراب الذي كان مادة آدم، فلا غنى عن الإقرار بالأسباب المتوسطة.
المقدمة الثالثة: أن الله يعطي كل مادة أحسن ما يمكنها قبوله من الصور وأحكمها، وأنه تعالى جواد لا يمنع لطفه وحكمته وتدبيره عن شيء، وأن حكمته في البرغوث والباعوض مثلا ليست مقصرة عن حكمته في نظام الأفلاك، لكن اختلاف الأشياء من قبل موادها، فليس لك أن تقول لم لم يخلقنا ملكا، كما ليس للدودة أن تقول لم لم يخلقنا إنسانا.
المقدمة الرابعة: الإقرار بأن للوجود رتبا عالية ودونا. وأن ما له إدراك وشعور وحس أعلى مما ليس له ذلك لقربه من رتبة السبب الأول الذي هو عقل بذاته. وأن أخس النبات أعلى رتبة من أشرف معدن. وأخس بهيمة أعلى رتبة من أشرف النبات. وأخس إنسان أعلى رتبة من أشرف بهيمة. وكذلك أخس متشرع بشريعة الله تعالى أعلى رتبة من أشرف جاهلي. لأن الشريعة التي هي من عند الله تكسب النفوس سير الملائكة وهيأتهم. وذلك ما لا يدرك بالاكتساب. والدليل على ذلك أن المداومة على أعمال تلك الشريعة تنهض إلى درجة الوحي التي هي أقرب الرتب الإنسانية إلى الإلهية. فالمتشرع العاصي خير من جاهلي، لأنه قد اكسبته شريعة الله سيره ملكوتية أشرف بها على رتبة الملائكة. وإن كان عصيانه قد شوشها عليه وأفسدها، فإنه قد بقي له منها آثار، وبقي في نار التشوق إليها، لكنه مع ذلك لو خير لم يكثر أن يصير في رتبة الجاهلية. كما أن الإنسان إذا مرض وتعذب بآلامه لو خير أن يصير فرسا أو حوتا أو طائرا متنعما بغير ألم، ويفرق بينه وبين العقل الذي يقربه من رتبة الإله لما اختار ذلك.
والمقدمة الخامسة: أن نفوس السامعين تتأثر لعظة الواعظ إذا وعظ بأمور مقبولة، فللوعظ بالحق منفعة على كل حال، وإن لم يرد العاصي من فعل الشر، ينقدح في نفسه من ذلك الوعظ شرارة يرى أن ذلك الفعل شر. وهذا جزء من التوبة ومبدأ لها.
المقدمة السادسة: أن الإنسان يجد نفسه قدرة على فعل الشر وتركه في الأمور الممكنة له، وما تعذر عليه إنما تعذر عليه لعدم الأسباب المتوسطة، أو لجهل الإنسان بها. مثال ذلك فقير غريب عديم السياسة يروم الترؤس على طائفة، فيعتذر عليه، ولو حضرت الأسباب ويكون هو عالم بتناولها، لتم مرغوبه كما يتم مرغوبه فيما أسبابه حاضرة ويدريها ويديرها، مما يرأس في منزله على بنيه وخدمه، وأكثر من ذلك أعضاءه يحركها كيف شاء ويتكلم بما شاء. وأكثر من ذلك فكره وتخيله يتخيل البعيد والقريب متى شاء وكيف شاء لأنه يملك أسبابه المتوسطة، ولذلك لا يتفق أن يغلب الضعيف القوي في الشطرنج، فليس يقال في حرب الشطرنج سعادة وحرمان كما يقال في حرب رئيسين متحاربين، لأن أسباب حرب الشطرنج حاضرة بأسرها فيغلب العالم بتناولها أبدا، وليس يخاف سببا طبيعيا يستثني به، ولا سببا اتفاقيا، إلا نادرا من قبل غفلة، والغفلة داخلة في الجهل كما قلنا. ومع هذا فإن للسبب الأول ينسب جميع بالطريق المذكورة، وأما على القصد الأول ففي حوادث بني إسرائيل طول بقاء الשכינה بينهم. وأما بعد ذلك فالأمر مشكوك إلا في قلوب المؤمنين هل هذه الحوادث قصد أول من الله تعالى أم هي من أسباب فلكية أو اتفاقية ولا حجة قاطعة. لكن الأولى أن ينسب الجميع إليه تعالى لا سيما مع عظم، كالموت والهزائم والسعادة والحرمان وما أشبه هذا.
خاتمة الكتاب
صفحة غير معروفة