الحرب والسلم (الكتاب الأول): إلياذة العصور الحديثة

ليو تولستوي ت. 1450 هجري
128

الحرب والسلم (الكتاب الأول): إلياذة العصور الحديثة

تصانيف

كانت عربة مكشوفة تقطرها ستة خيول واقفة أمام الباب، وكان ليل الخريف شديد الحلكة، حتى إن الحوذي ما كان يستطيع رؤية عريش العربة، وعلى الممشى المؤدي إلى المدخل، كان عدد من الناس يحملون المصابيح ويعملون، وكانت الأضواء تلتمع خلال كل نوافذ المسكن العليا، وقد تهافت الخدم في الممشى، وكلهم يرغب في تقديم تمنياته للسيد الشاب قبل سفره. أما أهل الدار وميخائيل إيفانوفيتش والآنسة بوريين وماري وليز، فقد كانوا ينتظرون في البهو الكبير عودة الأمير آندريه من لدن أبيه الذي أعرب عن رغبته في لقائه على انفراد لوداعه.

لما دخل آندريه مكتب الأمير العجوز، كان هذا مرتديا معطفا منزليا أبيض، احتفظ به خلال فترة وداع ابنه، وكان يكتب على ورقة، وقد أثبت نظارتيه على أرنبة أنفه، استدار نحوه وقال: هل تذهب الآن؟

وعاد إلى كتابته، فقال الابن: لقد جئت أودعك يا أبي. - حسنا قبلني هنا (وأشار إلى وجنته) شكرا شكرا. - لأي شيء تشكرني؟ - لأنك تلتحق في الجيش في الوقت المناسب، يا للسعادة! إنك لا تتعلق بثياب امرأتك، إن الواجب قبل كل شيء، فشكرا شكرا.

وظل القلم يجري على الورقة بسرعة، حتى إنه كان يغرز فيها أحيانا أو يلطخها بالحبر، قال الأمير العجوز: إذا أردت أن تقول شيئا، فقله لأنه لن يزعجني. - إن الموضوع متعلق بزوجتي. في الحقيقة إنني خجل إذ أتركها لك وأحملك مسئولياتها. - ما هذه الفلسفة؟ قل ما تريد أن تقوله. - حسنا. عندما يحين وقت ولادتها، أرجو أن تستدعي مولدا من موسكو. إنني أصر على أن يكون بجانبها مولد عند ولادتها.

توقف الأمير العجوز وتظاهر بأنه لم يفهم، ثم حدج ابنه بنظرة قاسية، فبدا آندريه مرتبكا، قال الأمير الشاب: إنني أعرف أن الطبيعة إذا لم تساعد نفسها بنفسها فإن الإنسان لا يستطيع شيئا حيالها، وإنني أعترف أن هناك حالة سيئة بين كل مليون حالة، ولكن ماذا تريد؟ تلك هي فكرتها، وكذلك هو رأيي؟ لقد أداروا رأسها، وحلمت أحلاما مزعجة، وبالاختصار إنها خائفة.

فغمغم العجوز وهو ينهي رسالته ويوقع عليها توقيعا ضخما: هم، هم! ليكن! ثم التفت فجأة إلى ابنه، وقال له وهو ينفجر ضاحكا: إنها مسألة مزعجة، أليس كذلك؟ - أية مسألة يا أبي؟

فأجاب الأب بلهجة مفعمة بالمعاني: زوجتك! - لست أفهمك. - والأسوأ يا صديقي الطيب هو أنه لا يمكن قط تبديل شيء، انهض جميعا سواء، فلا تبتئس، لن أتحدث بالموضوع إلى أحد، وأنت تعرف كيف تتصرف.

ثم أمسك بذراعه بيده الصغيرة النحيلة ، وهزه وهو يحدجه بنظرة قاطعة تكاد أن تخترقه من جانب إلى آخر، ودوت ضحكته الباردة الجامدة من جديد، فأفلت الابن زفرة أثبتت للأب أنه أصاب الهدف في تخمينه، بينما عاد الأمير العجوز يطوي الرسالة، ويختمها بخاتمه حسب طريقته المألوفة، وقال: ماذا تريد؟ إنها جميلة! فكن مطمئنا سوف أعمل اللازم.

لم يجب آندريه، لقد كان مسرورا كما كان حزينا؛ لأن أباه استطاع أن يخترق سريرته ويحدس ما فيها، فنهض العجوز ومد الرسالة إلى ابنه وقال: أصغ، لا تقلق مطلقا على زوجتك؛ لأننا سنعمل المستحيل من أجلها، والآن هذه رسالة إلى ميخائيل لاريونوفيتش، لقد كتبت له طالبا إليه أن يستخدمك في أحسن المراكز، وألا يستبقيك طويلا في الأركان العامة؛ لأن هذه المراكز سيئة مكروهة، طمئنه بأنني لا زلت أذكره، وأحتفظ له بمودتي القديمة، واكتب لي عندما يستقبلك، لا تمكث معه إلا إذا استقبلك استقبالا يليق بك، إن ابن نيكولا آندريئيفيتش بولكونسكي ليس بحاجة إلى أن يطلب من أحد، مهما سما مركزه، والآن تعال من هنا.

كان الأمير العجوز يتكلم بطلاقة عظيمة، حتى إنه ما كان يخرج نصف الكلمات، لكن آندريه كان معتادا على أسلوبه، قاده أبوه إلى خزانة، فتحها وجذب درجا فيها، أخرج منه دفترا مكتوبا بخطه الكبير ذي الأحرف الطويلة المشبكة، وقال: لا شك أنني سأموت قبلك، فاعلم أنني سجلت مذكراتي في هذا الدفتر، فينبغي إعطاؤه إلى الإمبراطور بعد موتي، وإليك رسالة ووثيقة ملكية جبل الشفقة

صفحة غير معروفة