لأن الواقع فعلا أن المرأة لم تبتكر في صناعة من الصناعات، غير مستثنى منها تلك الصناعات التي انقطعت لها وتوفرت عليها أحقابا طوالا قبل أن يتوفر عليها الرجال.
ومن السخف أن يقال إنها قد تخلفت في هذا المجال؛ لأن الرجل قد حجر عليها وقيدها بما يرضي هواه دون ما يرضي ملكاتها وأذواقها، فإن الرجل لم يحجر عليها في الطهي ولا في الخياطة ولا في الغناء ولا في الرثاء، وإن حجره عليها هو نفسه دليل على نقصها في القدرة البدنية والقدرة الذهنية، وأنها بالقياس إليه في المرتبة التالية على كل حال.
وقد عاش بعض الراهبات كمعيشة الرجال الرهبان في القرون الوسطى بين الأديرة والمعاهد الدينية والعلمية، وانقطع هؤلاء انقطاع هؤلاء للعبادة والتلاوة ونسخ الكتب وترجمتها والتفكير فيها، فلم يعرف لامرأة راهبة فضل في القراءة أو النسخ أو الترجمة كالفضل الذي عرف لمئات من الرهبان، وعزي إليه إحياء نهضة العلوم بعد القرون الوسطى.
فهذا الفارق بين الجنسين من الفوارق التي يشهد بها التركيب كما يشهد بها الواقع المتواتر في جميع الأمم القديمة والحديثة.
ومداه واسع جدا لا ينحصر في مزايا القريحة، ولكنه يتخطاها كثيرا إلى مزايا الروح والأخلاق.
ولنضرب لذلك مثلا نصيب الرجل ونصيب المرأة من الزواجر الأدبية والروادع النفسية.
فهذه الزواجر أو هذه الروادع ترجع إلى مصادر ثلاثة يخيل إلى المتعجل أنها واحدة ولكنها متفرقة المعادن والأصول: زاجر الدين، وزاجر العرف، وزاجر الأخلاق.
وليس معنى التفرق في معادن هذه المصادر وأصولها أنها تتناقض ولا تتفق على نهج واحد، بل معناه أن الإنسان قد يمتنع عن المحرم بوازع من الأخلاق ووازع من الدين ووازع من العرف في وقت معا، وقد يمتنع عنه بوازع منها دون الوازعين الآخرين.
فالمرأة نصيبها الذي يبرز فيها من هذه الزواجر هو نصيب العرف والدين، ولا سيما الدين الذين يرجع إلى الخوف والتسليم. وكثير من دين الجهلاء لا يرتفع إلى الحب والفهم كدين الخاصة وذوي الرأي والدراية .
أما الرجل فنصيبه الذي يبرز فيه من هذه الزواجر هو نصيب الأخلاق؛ لأن الأخلاق هي الزواجر التي يفرضها المرء على نفسه ولا يفرضها عليه العرف الشائع أو العقيدة المصدقة، أو سلطان القادة والرؤساء.
صفحة غير معروفة