353

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

القضاء نوعان قضاء لجملة الصلاة وقضاء لبعضها أما قضاء الجملة فله صفة وشرط ووقت فأما الصفة فهي بعينها صفة الأداء فيما في نفس الصلاة من الأعراض فإن اختلفت الأحوال مثل أن يذكر صلاة نسيها في حال سفره في حال حضره وبالعكس فهذا معنى اختلاف الأحوال فمن قائل يقضي مثل الذي عليه ولا يراعي وقت الذكر ومن قائل يقضي أربعا أبدا سفرية كانت أو حضرية ومن قائل يقضي أبدا فرض الحال أعني وقت الذكر فإن كان في سفر والذي نسبها حضرية قضاها سفرية وبالعكس وبه أقول فإن ذلك وقتها عندنا وصل الاعتبار في ذلك من رأى أن الحال له حكم في المقام قال بقولنا ومن رأى أن الحال لا حكم لها لأن الدنيا ليست بقوة للحال عمل بحكم المقام فأدى مثل ما عليه ومن رأى أن المقام الذي هو فيه الأصل الذي يعتمد عليه ولا حكم لمقام آخر مع تداخل القمامات بعضها على بعض كالورع والزهد يجمعهما الترك والتسليم والتفويض والتوكل يجمع ذلك كله عدم الاعتراض في المقدور والرضى بحكم الله في وارد الوقت فيعمل بالأتم الأعم وهو الذي يقضي أربعا أبدا والشارع إنما يعتبر الأحوال وعليها تتوجه الأحكام والذوات محال للأحوال تبعا فزيد المختار الميتة عليه حرام وإذا اتصف زيد المختار بالاضطرار فالميتة له حلال وهو زيد بعينه وإنما اختلفت الأحوال فاختلفت الأحكام فلهذا يقضي الحضرية سفرية إذا كان حاله السفر في وقت الذكر ويقضي السفرية حضرية إذا كان حاله الحضر في وقت الذكر وصل في الشرط وأما شرطه الذي اختلف فيه فهو الترتيب واختلفوا في وجوب ترتيب القضاء في المنسيات من الصلاة مع الصلاة الحاضرة في وقت الذكر وترتيب المنسيات بعضها مع بعض إذا كانت أكثر من واحدة فذهب قوم إلى أن الترتيب واجب فيها في الخمس صلوات فما دونها وأنه يبدأ بالمنسيات وإن فات وقت الحاضرة حتى لو ذكرها وهو في نفس الصلاة الحاضرة فسدت عليه الصلاة التي هو فيها مع الذكرى وقال بعضهم بمثل هذا القول إلا أنهم رأوا وجوب الترتيب مع اتساع وقت الحاضرة واتفق هؤلاء على سقوط وجوب الترتيب مع النسيان وقال آخر لا يجب الترتيب ولكن إن كان في وقت الحاضرة اتساع فالترتيب حسن وصل الاعتبار في هذا الشرط الحكم عند المحققين للوقت لا لغيره وذكر المنسي له الوقت فالحكم له ولا اتساع للوقت عندنا فإنه زمن فرد وإنما الاتساع في بعض الأوقات المشروعة للأحكام واتساع الأوقات عند العارفين إنما هو مثلا من كونها صلاة أو هيئة مخصوصة في عبادة فتلك الهيئة وذلك الاسم يصحبها دائما في وقتها وفي تكرار تلك الصورة في أوقات متعددة فمن هنالك يقولون باتساع الوقت وهو أوقات ومن لم يكن من العارفين صاحب نفس قال باتساع الوقت وهم أهل الشرب والري والأول أعرف بالحقائق وأكشف لدقائق الأمور فإن التجليات والأحوال تختلف مع الأنفاس وما يعلم ذلك إلا القليل من العلماء بالله من أهل الله فإن الحس والطبع يحجبان العقل عما تعطيه مرتبته من النظر في دقائق الأمور ولطائفها وبسائطها وصل تنبيه هذه المسئلة ما ثم أصل يرجع إليه فيها فإن أوقات الصلوات المنسيات مختلفة ولا يكون الترتيب في القضاء إلا في الوقت الواحد الذي يكون بعينه وقتا للصلاتين معا وهذا يتصور في مذهب من يقول بالجمع بين الصلاتين فيكون له أصل يرجع إليه في نظره .

وصل في فصل القضاء الثاني الذي هو قضاء بعض الصلاة

فلهذا الفوات سببان الواحد النسيان والثاني ما يفوت المأموم من صلاة الإمام اعتبار السببين أما النسيان فيعلم ما يقتضيه المقام الذي هو فيه مما ينبغي أن يعامله به فينسى بعض الوجوه مما يقدح فيما ينتجه من المنازل والكرامات والسبب الثاني هو أن يكون للإمام الذي هو الشرع المتبع فيه قول وحكم فما وصل إليه فإذا أخذ في تحصيل المقام وأكمله على حد ما علمه رأى نقصا في نتيجته فطلب علم السبب فوجد نفسه قد ترك منه ما ينبغي له أن يستعمله ولم يكن له علم بذلك فعثر على حديث نبوي أو آية من كتاب الله تعالى فإنه العمل بذلك فعمل على ذلك فصح له نتائج المقام فهذا بمنزلة ما فاته من صلاة الإمام كأبي يزيد البسطامي أوحشه السراج ليلة وكان حاله الورع فقال لأصحابه إني أجد في السراج وحشة فقالوا يا سيدنا استعرنا قارورة من البقال لنسوق فيها الدهن مرة واحدة فسقناه فيها مرتين فقال عرفوا البقال وارضوه ففعلوا وزالت الوحشة وكان رضي الله عنه في حال كان وقته التجريد وعدم الادخار فقال يوما لأصحابه فقدت قلبي فاطلبوا البيت فوجدوا فيه معلاق عنب فقال رجع بيتنا بيت البقالين فتصدقوا به فوجد قلبه واتفق لشيخنا أبي مدين وكان وقته التجريد وعدم الادخار فنسي في جيبه دينارا وكان كثيرا ما يترب منقطعا في جبل الكواكب وكانت هناك غزالة تأتي إليه فتدر عليه فيكون ذلك قوته فلما جاء إلى الجبل جاءت الغزالة وهو محتاج إلى الطعام فمد يده على عادته إليها ليشرب من لبنها فنفرت عنه ومازالت تنطحه بقرونها وكلما مد يده إليها نفرت منه ففكر في سبب ذلك فتذكر الدينار فأخرجه من جيبه ورمى به في موضع فقده ولا يجده فجاءت إليه الغزالة وآنست به ودرت عليه .

وصل في فصل المأموم يفوته بعض الصلاة مع الإمام

صفحة ٥٨٧