الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
اختلف العلماء فيه فمن قائل إن العامد يجب عليه القضاء ومن قائل لا يجب عليه القضاء وبه أقول وما اختلف فيه أحد أنه آثم وأما المغمى عليه فمن قائل لا قضاء عليه وبه أقول ومن قائل بوجوب القضاء وهو الأحسن عندي فإنه إن لم تكتب له في نفس الأمر فريضة كتبت له نافلة فهو الأحوط فالقائلون بوجوب القضاء منهم من اشترط القضاء في عدد معلوم فقالوا يقضي في الخمس فما دونها وصل الاعتبار في ذلك أما العامد في ترك ما أمره الله به فلا قضاء عليه فإنه ممن أضله الله على علم فينبغي أن يسلم إسلاما جديدا فإنه مجاهر وهذا لا يمكن أن يقع ممن أخذ علمه بالله عن ذوق وكشف وإنما يقع هذا ممن أخذ علمه بالله عن دليل ونظر فيقول الحركات والسكنات كلها بيد الله فما جعل في نفسي أداء ما أمرني بأدائه يقول وعلى الحقيقة فهو الآمر والسامع والمخاطب فهو على بصيرة والمخاطب تشقيه وتحول بينه وبين سعادته فتضره في الآخرة وإن التذ بها في الدنيا ولا يضر الله شيء وهذه مجاهرة بحق لا تنفع فلو كان عن ذوق وكشف منعته هيبة الجلال وعظيم المقام وسلطان الحال الذوقي أن يكون مثل هذا ويترك أداء حق الله على صحو فهو بمنزلة من يسب السلطان لعدم نظره إليه فإذا فاجأه حكمت الهيبة على قلبه فسارع إلى أمره فمثل هذا العلم لا ينفعه فإنه عن دليل كأعمى يمشي بعصا لا عن بصيرة كمن يقتدي ببصره في طريقه وأما اعتبار المغمى عليه فهو صاحب الحال الذي أفناه الجلال أو هيمه الجمال فلا يعقل فيكون الحق متوليه في تلك الغيبة في حسه بما شاء أن يجريه عليه وقد أقمت أنا في هذه الحالة مدة ولم أخل بشيء من حركات الصلاة الظاهرة بالجماعة لعى أتم ما يمكن إماما ولا علم لي بشيء من هذا كله فلما أفقت ورددت إلى حسي في عالم الشهادة أعلمني الحاضرون أنه ما فاتني شيء مما توجه علي من التكليف كما يتوجه على العاقل الذاكر ومن أهل طريقنا من لا تكون له هذه الحالة وهي حالة شريفة حيث لم يجر عليه لسان ذنب وحكى عن الشبلي إنه كان يأخذه الوله ويرد في أوقات الصلوات فإذا فرغ من الصلاة أخذه الوله فقال الجنيد حين قيل له عنه الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب فقد يمكن أن يكون الشبلي في ذلك الوقت يصلي به وهو غير عالم بذلك وحكم الناس الحاضرون عليه بأنه مردود لما رأوه من أدائه الصلاة مثل ما اتفق لنا فقالوا بصورة الظاهر منه وهو في نفس الأمر لا علم له ومنهم من يرد وليس كلامنا إلا فيمن أخذ عن نفسه في وقت أداء فرض عليه في الظاهر وأما في غير ذلك الوقت فما هي مسئلتنا وأما الذين اشترطوا الخمس فما دونها لأن كل صلاة من الخمس أصل مغايرة للأخرى في الوقت وبعض الصفات فإذا انقضت الخمس كان ما بعد الخمس بصفة كل واحدة منهن فاعتبرهن لكونهنذ أصولا وما قصر هذا الفقيه في مثل هذا فإنها حكمة بالغة لمن عرف الحقائق من هذا الطريق ومن عرف إن الحقيقة تقتضي أن لا تكرار لم يقل بذلك وهو الأصل الأول والعارف بحسب ما يفتح عليه في وقته .
وصل في فصل صفة القضاء
صفحة ٥٨٦