856

ليكفن الحارث بن الحكم عن بعض كلامه أو ليأتيه مني شيء لا قبل له به والسلام.

ثم كتب في أسفل كتابه هذه الأبيات:

إن مروان أبت لي رحمة # قطعة الدهر وفي المرء زلل

يأكل الخبز وفيه نخوة # واعتراض عن هوى وملل

منع المرء أخاه حارثا # بالتي يسحب أذيال الخطل

غره حكمي وحلمي شيمة # فارتقى فيما يسوى ونزل

أبلغ الحارث عني مالكا # كل شيء ما خلا صخرا جلل

فاطلب اليوم جفاي جاهدا # وارحل الناقة فيها والجمل

ثم لا تنزع عما سرني # أنني مر وحلو كالعسل

إن من سب زيادا مرة # شرب الدهر عليه وأكل

عرضه عرضي وشيخي شيخه # ولهذا الدهر في الناس دول

قال: فلما نظر مروان إلى كتاب معاوية دعا بأخيه الحارث بن الحكم فقال له:

هلكت وأهلكت، إن معاوية قد ادعى زيادا وهذا كتابه إلي فارحل إليه تائبا ومعتذرا ولا تقم، فو الله ما رجع معاوية حتى كاد أن لا يرجع.

قال: فرحل الحارث بن الحكم من المدينة حتى قدم على معاوية، فلما دخل وسلم رد عليه معاوية السلام ثم أمره بالجلوس، فجلس فقال: يا أمير المؤمنين!إنا لو استقبلتنا من أمر زياد مثل الذي استدبرناه منه لاتبعنا هواك فيه، وزياد أخونا وأخوك-والسلام-. قال: فضحك معاوية ثم قال: أحسنت يا حارث!ثم أمر له معاوية بجائزة سنية، فأنشأ يقول:

إن من يقطع فينا رحمة # فابن هند اليوم فينا قد وصل

غفر الذنب وأعطى عتبة # فكأن ما كان منا لم يقل

سن في حي قريش سنة # وضع التاج عليها فاعتدل

عبشمي[ (1) ]أموي ملكه # آفة النحل وتسريب العلل

وله كف بها في عدله # آفة المال وتقويم الميل

لو إلينا منتهى آجالنا # لفديناه وزدنا في الأجل

[ (1) ]عبشمي نسبة إلى بني عبد شمس.

صفحة ٣٠٠