ولكننا إذا ذكرنا ما نعرفه من حالة سائر الفنون الإيرانية في ذلك العصر، وأنها ظلت مدة طويلة لا تعرف من التجديد ما يخرجها تماما من دائرة الأساليب الفنية الساسانية، نقول: إذا ذكرنا ذلك عرفنا أن صناعة النسج في إيران ظلت في القرون الأولى بعد الإسلام متأثرة بالطراز الساساني في استخدام الزخرفة بالنقط والأشرطة ووريقات الشجر والخطوط المتشابكة والمتقاطعة، وفي استخدام الدوائر المتماسة أو المتداخلة، والمناطق أو الجامات المختلفة الشكل، تضم كل منها بعض مناظر الصيد أو رسوم الحيوانات أو الطيور، الخرافي منها والطبيعي. ولا غرو فقد كان للمنسوجات الساسانية صيت واسع في الشرق الأدنى منذ العصر الجاهلي، فضلا عن أن النساجين في كل البلاد والعصور ميالون بطبيعتهم إلى المحافظة على أساليبهم الصناعية والفنية إلى حد كبير، ولم يلق النساجون الإيرانيون في فجر الإسلام أدنى صعوبة في هذا السبيل؛ لأن العرب الفاتحين لم تكن لديهم خبرة بفن النسج وأساليبه.
على أن القوم بدءوا يهجرون هذه الزخارف منذ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، ولم يكن هذا عسيرا عليهم؛ فقد كانوا - حتى قبل ذلك الحين - يعرفون في منسوجاتهم بعض الزخارف الأخرى ولا سيما الزهور والنبات.
وقد مر بنا أن الصور في المخطوطات السلجوقية أو المنسوبة إلى مدرسة العراق تمتاز بالملابس المزركشة التي يلبسها الأشخاص. والحق أن زخارف تلك الملابس مثال طيب للجمع بين الأساليب الزخرفية الساسانية والأساليب التي جدت في القرون الأولى بعد الهجرة.
ومن المنسوجات التي تنسب إلى إيران بين القرنين الثاني والرابع بعد الهجرة (الثامن والعاشر بعد الميلاد) ضرب من الحرير عليه رسوم حيوانات بخطوط منكسرة وزوايا ظاهرة. وقد كان العالم الإنجليزي السير أوريل شتاين
Aurel Stein
قد عثر في حفائره ببلاد التركستان الصينية على أقمشة تشبه هذا النوع الذي ينسب إلى إيران، وفي اعتقاده أنها من صناعة بلاد التركستان الغربية، ولا سيما سمرقند وبخارى.
ومن المنسوجات الإيرانية التي نعرفها الآن قطعة منسوجة من الحرير والقطن كانت في كنيسة سان جوس
Saint-Josse ، وهي قرية واقعة على مقربة من مدينة كاليه بفرنسا، وهذه التحفة الثمينة معروضة الآن في متحف اللوفر بباريس، وعليها كتابة نصها: «عز وإقبال للقائد أبي منصور بختكين أطال الله بق[اءه]»،
6
ولعله القائد الذي عاش في بلاط عبد الملك بن نوح أمير خراسان وما وراء النهر، وقد حبس وقتل على يد هذا الأمير في سنة 349ه/960 ميلادية.
صفحة غير معروفة