فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
الناشر
دار الفكر
رقم الإصدار
الخامسة والعشرون
سنة النشر
١٤٢٦ هـ
مكان النشر
دمشق
تصانيف
وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه. وإنما جرّأه على إدخال هذه الزيادة حديث عائشة السابق عن رسول الله ﷺ «١٧» .
وأما المرة الرابعة: فقد كانت بعد مقتل ابن الزبير. روى الإمام مسلم بسنده عن عطاء أنه لما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أسّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أمّا ما زاد في طوله فأقرّه، وأمّا ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه، وسدّ الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه «١٨» .
قالوا: وقد عزم الرشيد بعد ذلك على أن ينقضها ويعيدها كما بناها ابن الزبير، فقال له مالك بن أنس ﵀: «أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يغيّره إلا غيّره، فتذهب هيبته من قلوب الناس، فصرفه عن رأيه فيه» «١٩» .
فهذه هي المرات الأربع التي بنيت فيها الكعبة بيقين.
أما الخامسة: التي وقع فيها الشك والخلاف: فهي تتعلق بما قبل بناء إبراهيم ﵊، هل كانت الكعبة مبنية قبل ذلك أم لا؟
جاء في بعض الآثار والروايات أن أول من بناها إنما هو آدم ﵊، ومن أبرز ما ورد في ذلك ما رواه البيهقي في دلائل النّبوة من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «بعث الله ﷿ جبريل ﷺ إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتا، فخطّ لهما جبريل ﵊، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل حتى أصابه الماء فنودي من تحته حسبك يا آدم فلما بنياه أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح ﷺ. ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه» .
ثم قال البيهقي: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا، ومعلوم أن ابن لهيعة ضعيف لا يحتج به.
_________
(١٧) انظر عيون الأثر لابن سيّد الناس: ١/ ٥٣، وإعلام الساجد للزركشي: ٤٦. والحديث رواه مسلم ٢: ٦٩، باب نقض الكعبة وبنائها، وفي رواية للطبري وغيره أنها إنما احترقت بشرارة انطلقت إليها من نار كانت توقد حولها وانظر تاريخ الطبري: ٥/ ٤٩٨
(١٨) مسلم: ٤/ ٩٩
(١٩) هذا وفي شرح النووي على مسلم والفتح على البخاري، أن الذي همّ بنقض الكعبة هو الرشيد، وذكر في عيون الأثر وإعلام الساجد أنه أبو جعفر المنصور، ومعلوم أن مالكا ﵀ عاصر كلّا من المنصور وهارون الرشيد، فالاحتمال قائم.
1 / 58