ولا بد أنني كنت أكرر هذين السؤالين كلما أسندت رأسي إلى حاجز المنور لأتسمع نبضات قلب الديك ولاختلاجة جناحيه أو لما كنت أحسبه كذلك، ولا بد أيضا أنني كنت أكررهما لنفسي كلما تذكرت - بعد ذلك بزمن طويل - قصة ذلك الديك المسكين.
الشاعر
لا يدري الإنسان، حين يغادر عتبة بيته، ما الذي سيلاقيه في يومه، قد تعثر قدمه بحجر أو ينزل على قشرة موز فينكفئ على وجهه، وقد يقابل عزيزا لم يره منذ سنوات فيأخذه بالأحضان، وقد يسقط في الطريق فاقد الوعي أو تصدمه عربة أو يرفسه حمار أو حصان، فيعود إلى بيته محمولا على الأكتاف أو لا يعود، هذا شيء يتعرض له كل إنسان في كل يوم، وربما تقول إن في هذا تشاؤما وقدرية، في وقت يريد فيه الناس أن يكونوا سادة قدرهم والمتصرفين فيه، ولكنك قد تراجع هذا التفاؤل إذا علمت ما حدث لألطاف هانم في يوم من أيام هذا الصيف القائظ اللعين.
كانت قد خرجت من محل شملا في ظهر ذلك اليوم، تحمل في ذراعها اليسرى كيسا منتفخا بملابس الأولاد؛ ملابس داخلية، قمصان للصيف، مايوهات ملونة للبحر، وأحذية على مقاس الأقدام الصغيرة المحبوبة، وتضع ذراعها اليمنى في ذراع زوجها الأستاذ سعيد مهندس التنظيم، وكانت السعادة تملؤها لتوفيقها في الشراء من الأوكازيون، فالبائع كان لطيفا سمح الوجه، واختيار البضاعة لم يكن عسيرا، والثمن الذي دفعته لم يكن باهظا على الإطلاق، فكان الشعور بالرضا والارتياح يغمرها ويفيض عليها سعادة هادئة تبدو في عينيها المرحتين الصافيتين، ومشيتها الرزينة المطمئنة، وإحساسها اللذيذ بالقرب من زوج طيب ودود ينم وجهه الأبيض الهادئ عن الرجولة والاعتداد والحنان، وكانت هذه المشاعر الهادئة تصرفها عن ملاحظة الجو الخانق الذي يكتم الأنفاس، وتبعد عنها السخط والضيق والنكد الذي كانت تحس به عادة من الزحام في هذه الساعة التي يخرج فيها الموظفون والعمال، بل إنها - لفرط سعادتها ورضاها - وجدت ذلك كله شيئا طبيعيا، وبدت كأنها تقرأ في الوجوه الملولة المتعبة التي تقابلها، والمركبات العامة التي تميل هياكلها وتئن عجلاتها تحت وطأة الزحام والصراخ والسباب والأشجار الهامدة التي تتلهف أوراقها الجافة على نفسة من الهواء، والضجيج المزعج الذي ينبعث من الأبواق والحناجر وأجهزة الراديو التي يحملها المارة بدت كأنها تلمح في هذا كله نوعا من النظام الطبيعي الخالد الذي يسير كل شيء فيه على ما يرام. كانت تتمنى لو استطاعت أن تغني أغنيتها المفضلة التي ترددها بإصرار مضحك في المطبخ والحمام، أو تقبل سعيد قبلة مفاجأة لا يفهم سرها كعادته، ولكنه يتلقاها منها في رضا وسرور.
وراحت تداعب في خيالها صورة أولادها الثلاثة الذين سيستقبلونها بالصياح والهتاف والأيدي الممدودة إلى الجيوب والأكياس، كما ترتب في ذهنها أطباق الغذاء على المائدة، والقمصان الجديدة على أجسام الصغار، والأحذية والصنادل في أقدامهم، والبهجة التي ستشع من كل مكان في المسكن الأنيق.
كانت تقترب مع زوجها من محطة الأوتوبيس الذي سيحملها إلى مصر الجديدة وتداعب هذه الأفكار المشتتة كما لو كانت تجلس في زورق يهتز فوق موج هادئ، عندما رأته فانقلب الزورق فجأة وغاصت مفزوعة إلى القاع. من المبالغة بالطبع أن يقال إنها عرفته أو تذكرته من أول نظرة، فقد كان يقف هناك على الرصيف قبل منتصف الشارع المؤدي إلى المحطة المزدحمة بالناس، كما يقف آلاف الشحاذين في كل مكان. اتجهت إليه أول الأمر مدفوعة بنفس الشعور الهادئ الذي عرفناه فيها منذ قليل، وسحبت ذراعها برفق من ذراع زوجها لتتمكن من فتح حقيبتها وإعطاء الشحاذ المجهول ما فيه النصيب. كان من الممكن أن تمد يدها إلى يده المتصلبة المفتوحة أمامها بالقرش أو القرشين وتمضي في هدوء دون أن تنظر في وجهه أو تنتبه إلى دعوته للمحسنين، وكان من الممكن أيضا أن تمر عليه مر الكرام دون أن يحرك منظره في نفسها نزعة الإشفاق التي تميتها في العادة كثرة الشحاذين، أو تتأمله في صمت وتمضي في طريقها في عدم اكتراث، لولا أنه كان يقف هناك كالقدر أو كالمفاجأة الحية التي تطل برأسها من بئر الذكريات. هذا الوجه الشاحب المجدور المستطيل الذي يبدو وأن الشيخوخة قبعت فيه منذ الطفولة، وحولته إلى وجه مومياء مصفرة لم يستطع العفن ولا الزمن أن يصل إليها، أين رأته من قبل؟ وهاتان العينان المغمضتان كعيني أعمى، تحت جبهة عريضة ناصعة لا تتناسب مع الوجه المغضن الصغير، برموشهما السوداء الطويلة المنسدلة كمظلة مقفولة الأطراف، هل تكونان هما نفس العينين الجائعتين الصامتتين اللتين هجرتاها منذ أكثر من عشر سنوات؟ وهذه اليد الممدودة المتخشبة كيد ميت، صفراء نافرة العروق دقيقة الأصابع قذرة الأظافر ملتهبة ومحمرة من أثر التدخين، أهي نفس اليد التي كانت تتعجب من صغرها وهزالها ودقة تعبيرها من بؤس مزمن وعميق؟ ولماذا تمتد الآن بين زحام الأجسام والأصوات وضجيج الشارع كسؤال أخرس تعيس، وكانت تضم أصابعها النحيلة على ألوان من الكتب والصحف والمجلات وتتشبث ببقايا سيجارة رخيصة مريضة الدخان؟ يا إلهي! كم تتغير الأيام.
تاهت يدها في حقيبتها لحظات، يبدو أنها طالت أكثر مما ينبغي، واستغرقها التأمل المشدود في الوجه المصفر، والعينين المغلقتين، والكف المتصلبة، والقميص المتسخ الذي صار أشبه بكفن صغير، والبذلة الحقيرة المملوءة بالرقع والثقوب في أكثر من موضع، والحذاء المتهرئ من الأمام والخلف حتى صار يكشف عن بقايا جورب ممزق وملطخ بالطين، ووقف زوجها لحظة يرمقها في هدوء وابتسام، فلما طال مكوثها أمام الشحاذ أخذ يتسلى بالنظر إلى التمثال القميء المنصوب على قاعدة منخفضة في وسط الشارع، ويبحث في نفسه عن مبرر واحد لوجوده في هذا المكان. إن القاعدة قد امتلأت بالكتابات والتعليقات بخط قبيح وألوان مختلفة، والتمثال نفسه قد نقش الحمام على ظهره آثار فضلاته وليس هناك عابر سبيل يتعطف عليه بنظرة واحدة، كما أنه لا يستطيع أن يجذب انتباه إنسان واحد. استدار الأستاذ سعيد وتقدم من زوجته ووضع ذراعه في ذراعها وهو يضحك قائلا: هذا التمثال يكفي للحجر على كل مهندسي التنظيم.
هزت ألطاف هانم رأسها كمن يفيق من كابوس وسألت: ماذا تقول يا حبيبي؟
أشار إلى التمثال وقد ازداد ضحكه وقال: من المؤسف أن يكون هذا مصير كل الزعماء.
التفتت إلى حيث يشير بإصبعه وقالت: يجب عليكم أن تنظفوه.
صفحة غير معروفة