فحتى متى روح الرضا لا ينالني
وحتى متى أيام سخطك لا تمضي
وكتبن على العصائب، ومشاد الطرز والذوائب، والزنانير والمناديل والوسائد والبسط، والأسرة والكلل والنعال والخفاف، وبالحناء على الأقدام والراح.
50
ونجح هؤلاء الجواري في إشعار الناس بالظرف، والتزام حدوده، حتى أصبح للظرفاء عرف خاص في الزي والنظر، والطعام والشراب، وما إلى ذلك. وحتى أخذ «الوشاء» هذا العرف، ودونه قانونا للظرفاء في كتابه «الموشى».
ولسنا نرجع الفضل في ذلك كله للجواري؛ فإن لمواليهم أيضا أثرا لا ينكر، فإبراهيم الموصلي وأمثاله من المغنين هم الذين علموا الجواري غناءهم، ولقنوهن أصواتهم، والطبقة الراقية هي التي أوحت إلى الجواري ضروب الظرافة، ولكن مما لا شك فيه أنه قد كان للجواري الفضل في نشر هذه الفنون الجميلة بين طبقات الشعب المختلفة؛ لأنهم كانوا أكثر ولوعا بهن، وأشد تقليدا لهن، وأميل للتخلق بما يستحسن.
وكان للجواري فضل آخر، وهو أنهن من أمم مختلفة كما رأيت؛ فهنديات، وتركيات، وروميات، وغير ذلك، وقد كان كل صنف يجلب وقد تكونت عاداته أو كادت؛ فالروميات تحملن عادات قومهن في الغناء وضروب الظرافة، وهكذا بقية الأمم، ثم أتين المملكة الإسلامية فنشرن عاداتهن، ووقعت أبصارهن على عادات غيرهن، فخضع ذلك كله لقانون الانتخاب. ومن أجل ذلك كان الغناء غناء منتخبا، وهذا ما يفسر النزاع الشديد الذي حكاه الأغاني من طائفة تتعصب للقديم، وأخرى تتعصب للجديد، وما الجديد إلا ما أدخل عليه من نغمات فارسية ورومية، وكذلك سائر الفنون.
وفن آخر كان للجواري أثر كبير فيه، كأثرهن في سائر الفنون الجميلة، ذلك هو «الأدب». ونرى أن للمرأة في كل أمة وفي كل عصر فضلا على الأدب من ناحيتين؛ الأولى: ما تثيره في نفوس الرجال من عاطفة قوية تجيش في صدورهم، فتخرج على ألسنتهم شعرا رقيقا وأدبا ممتعا، والثانية: مشاركة المرأة الرجل في إخراج القطع الفنية والأدبية في المواضيع التي تمس شعورهن، وهن عليها أقدر!
كان هذا هو الشأن في العصر العباسي، ويظهر لنا أن «الجواري» كن أنشط من «الحرائر » في النوعين معا؛ أعني في ناحية الإنشاء الأدبي ، وفي ناحية الإيحاء إلى الشعراء. ويرجع السبب في ذلك إلى النظام الاجتماعي إذ ذاك، فقد كان الناس - كما نقلنا قبل عن الجاحظ - يغارون على الحرائر أكثر مما يغارون على الجواري، ويحجبون الحرة، ويشددون في تحجيبها. وإذا أراد أحد أن يتزوجها بعث «بخاطبة» تنظر إليها، وتصف للرجل محاسنها وعيوبها، أما هو فلا يراها إلا بعد الزواج. ولكن الجارية شأنها غير ذلك؛ فهو لا يعير بها كما يعير بقريبته الحرة، ثم هي سافرة إلى حد بعيد، بحكم أنها في كل وقت عرضة لأن تباع وتشرى، وهي تقضي للرجل حوائجه، وإذا أراد أحد من عامة الناس أن يستمع لغناء، أو يلهو بالقينات في بيوت المقينين فهن اللائي يغذين ميله إلى السماع، ورغبته في اللهو، وهن بحكم سفورهن اللائي يقع عليهن نظر الناس. أما الحرائر فلا يقع عليهن إلا نظر أقاربهن؛ لذلك كان طبيعيا أن الأدباء والشعراء يغذون أدبهم وشعرهم بالجواري، أكثر مما يغذونه بالحرائر. ومن ناحية أخرى فقد عني الرجال بتعليم الجواري كما يظهر أكثر من عنايتهم بتعليم الحرائر، ودعاهم إلى ذلك الناحية التجارية؛ فقد رأيت أن علم الجارية وأدبها كان يقوم في سوق الرقيق بأكثر ما يقوم بدنها، وأن الجارية إذا قومت بمائتي دينار جاهلة، قومت بأضعاف ذلك مغنية أو أديبة، والمال في كل عصر هو قوام الحركات الاجتماعية، أما الحرائر فلم يكن يعنى بتعليمهن وتربيتهن إلا طبقة قليلة، وهي طبقة الأشراف ومن في حكمهم وقليل ما هم. وسبب آخر: وهو أن الناس كانوا يرون أن الجواري هن ملهى الرجال، فحاول القائمون بأمورهن أن يرقوا هذه الملاهي بكل ما يتطلبه اللاهون، ورأوا أن الجارية إذا كانت مغنية أديبة موسيقية شاعرة كان ذلك أفعل في قلوب الرجال، فلم يألوا جهدا في تحقيق مطالبهم.
نعم نجد كثيرا من الحرائر اشتغلن ببعض العلوم، ولكن أكثر ما اشتغلن به كان الباعث عليه دينيا ككثير من المحدثات والمتصوفات. ولكن هذا ليس موضوعنا هنا، إنما موضوعنا الاشتغال بالفنون، والجواري من غير شك في هذا الباب كن أكثر وأظهر .
صفحة غير معروفة