توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته
الناشر
مكتبة الخنانجي بمصر
رقم الإصدار
الأولى
تصانيف
١٨٥- وأيضًا فإن العمل بخبر الواحد واجب، ولا يجب العمل إلا بالعلم، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١ ... ولأن الله ﷿ قال في نبأ الفاسق: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ٢، وضد الجهالة العلم، وضد الفسق العدالة، ففي هذا دلالة على أن العلم لا يقع بخبر الفاسق، وأنه يثبت بخبر العدل.
١٨٦- وقد يثبت بالآحاد من الأخبار العلم فقط مثل عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ورؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة -مما يبين أن خبر الواحد يوجب العلم٣.
١٨٧- رد على هؤلاء فقال: إن القائلين بهذا خلطوا بين أمرين: بين سكون النفس وطمأنينة القلب وبين علم اليقين، والذي يحدث في خبر الواحد إنما هو طمأنينة القلب لا علم اليقين؛ لأنه ما دامت هناك شبهة الكذب واحتماله؛ فلا يوجد اليقين، وطمأنينة القلب هذه نوع من العلم من حيث الظاهر، وهذا هو المراد بقوله ﷺ، في حديث معاذ: "فأعلمهم"، ويجوز العمل بهذا، كما يجوز العمل بمثله في تحري القبلة عند الاشتباه ... وينتفي هذا العلم بالجهالة؛ لأنه في خبر العدل يترجح جانب الصدق بظهور عدالته، أما في خبر الفاسق فلا يترجح فيه جانب الصدق، والجهالة مثله.
١٨٨- وأما الآثار المروية في عذاب القبر فهي توجب عقد القلب عليها؛ أي: طمأنينتة وسكينته، والابتلاء بعقد القلب على الشيء بمنزلة الابتلاء بالعمل به أو أهم وسمى بعضهم هذا نوعًا من العمل، وعقد القلب هذا غير العلم قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ٤، وقال جل شأنه: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ ٥ "فهم تركوا عقد القلب على ثبوته بعد العلم به"، فهذا غير ذاك٦.
_________
١ الإسراء: ٣٦.
٢ الحجرات: ٦.
٣ أصول السرخسي: ٣٢٩.
٤ البقرة: ١٤٦.
٥ أصول السرخسي ١/ ٣٢٩.
1 / 112