صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من تولى قومًا بغير إذنهم فعليه لعنة الله) (١) فالشريعة الإسلامية توجب على المسلم أن يكون مواطنًا في دولة إسلامية تحت إمرة من يرأس تلك الدولة، دل على ذلك قوله ﵌: (من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) (٢)، ولقد كانت سيرة الصحابة تطبيقًا حيًا لهذا النص وأمثاله، ولهذا فإن الصحابة انصرفوا عن تجهيز رسول الله ﵌ يوم أسلم الروح إلى الرفيق الأعلى إلى سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة الأول حتى إذا تمت البيعة للصديق أقبلوا على جهاز المصطفى ﵌، وما حملهم على ذلك إلا خشية الفتنة أو أنهم يبقون دون دولة أو رئيس. (٣)
قال الشوكاني ثم إن الصحابة لما مات رسول الله ﵌ قدَّموا أمر الإمامة ومبايعة أبي بكر ﵁ على كل شيء حتى أنهم اشتغلوا بذلك عن تجهيزه ﵌ ثم لما مات أبو بكر ﵁ عهد إلى عمر ﵁ ثم عهد عمر إلى النفر المعروفين ثم لما قتل عثمان ﵁ بايعوا عليًاكرم الله وجهه وبعده الحسن ثم استمر المسلمون على هذه الطريقة حيث كان السلطان يأخذ أمر الأمة مجتمعًا، ثم لما اتسعت أقطار الإسلام ووقع الخلاف بين أهله واستولى على كل قطر من الأقطار سلطان اتفق أهله على أنه إذا مات بادروا بنصب من يقوم مقامه، وهذا معلوم لا يخالف فيه أحد، بل إجماع المسلمين أجمعين منذ قبض رسول الله ﵌ إلى هذه الغاية. (٤)
ومن الواضح في النصوص الشرعية أن طريقة اختيار الخليفة أو الرئيس أو الملك لم تحدده النصوص الشرعية وإنما ترك الأمر شورى بين الأمة حيث أوجبت النصوص تنصيب رئيس أو ملك أو إمام يدير شؤون الدولة وإسناد السلطة إلى الحاكم من قبل الأمة المسلمة التي هي صاحبة الحق، وهي ملزمة بالنصوص بأن تختار وتتشاور فيمن يتولى إدارة شؤون الأمة وقد قال الامام علي بن أبي طالب ﵁: (ايها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقوأهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه)، قال ابن أبي الحديد ما معناه أحق الناس بالإمامة (أي الرئاسة العامة)، أقوأهم عليها وأعلمهم بحكم الله فيها أي أحسنهم سياسةً وأكثرهم علمًا وأحرى بالتدبير، وتجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل ولكن الفاضل أحق. (٥)
وقد عرفنا أن الصحابة ذهبوا إلى بيعة أبي بكر ﵁ في سقيفة بني ساعدة، وأن عمر ﵁ عهد إلى ستة تشاوروا واختير من بينهم عثمان رضوان الله عليه ثم إن الإمام علي كرم الله وجهه وهو رابع الخلفاء الراشدين بويع من قبل الأمة مباشرة.
إذًا فأي طريق ترى الأمة بعد التشاور أنه الأسلم لاختيار الخليفة أو الملك أو الرئيس أو الأمير فلتسلكه، والنص القرآني (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) يفيد بظاهره وجوب التشاور سواءً كان عن طريق الاستفتاء والانتخاب المباشر أو عن طريق البيعة أو عن طريق اختيار مجالس الشورى، فكل هذه الطرق لمنصب الرئاسة أو الخلافة العامة ليس هناك مانع شرعي منه بشرط أن تتوفر الأمانة والكفاءة فيمن يُختار، وحق الأمة في اختيار ولاتها ثابت ولا تنعقد الرئاسة العامة إلا بالبيعة أو الانتخاب أو الاستفتاء فقد أخرج الضياء المقدسي عن سعيد بن زيد أن النبي ﵌ قال: (من تولى قومًا بغير إذنهم فعليه لعنة الله) (٦)، والحديث يعم الولاية ذات الخطر العام. فإن قلت فما هو القول في شرط القرشية الذي قال به جمهور الفقهاء ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج مستدلين على ذلك بقوله ﵌: (الأئمة من قريش) (٧)، قلنا ينصرف ذلك إلى أتمهم وأصلحهم. لأن ما ورد فيه
_________
(١) - الأحاديث المختارة للضياء المقدسي الحنبلي ج ٣ ص ١١١٣ وإسناد الحديث صحيح ورواه الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون بنحوه حديث (١٦٤٠).
(٢) - صحيح مسلم - كتاب الإمارة - باب أربعة- حديث ١٨٢٥.
(٣) - حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ص ١٣٢.
(٤) - السيل الجرار ٤/ ٥٠٤.
(٥) - نهج البلاغة مع شرح الشيخ / محمد عبده وإيضاحات من شرح العلامة ابن أبي الحديد، ص٣٥٤، طبعة محمد كمال بكداش.
(٦) - الأحاديث المختارة للضياء المقدسي الحنبلي - ج ٣ - حديث رقم ١١١٣. وإسناد الحديث صحيح وأخرجه أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون بنحوه- حديث ١٦٤٠. وروى أبو يعلي الموصلي والهيثم بن كليب كلاهما من طريق يزيد بن هارون بنحو لفظ أحمد.
(٧) - أخرجه الضياء المقدسي في المختارة - حديث ٤٥٠ - ٤٤٩ - ج٢ - ص ٧٣ و٧٤ من حديث علي وسنده صحيح - وحديث أنس ج ٤ المختارة ص ٤٠٣ وإسناده حسن وحديث ٢١٣٨ - ج ٦ - ص ١٤٢ - المختارة أيضًا وأورده أبي يعلى في مسنده حديث ٤٤٣ وأخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي من حديث علي ﵁ ويعقوب بن سفيان وأبو يعلي والطبراني من حديث ابن برزة الأسلمي وأخرجه الطيالسي والبزار.
1 / 113