حاولت التحدث إليهم، لكنها لم تستطع بسبب الكمامة. حاولت ذات مرة أن تحركها قليلا بالضغط عليها بشدة، متذكرة كيف كان أبوها يمازحها بشأن قوة لسانها. وضعت كل ذرة من قواها في صرخة الاستغاثة تلك، لكنها أصدرت صوتا شاذا مشوشا، كصوت حيوان يتألم.
لم يسمعها أحد، وأحكم خاطفوها ربط الكمامة على فمها؛ مما زاد من عدم ارتياحها. كانت ذراعاها مربوطتين إلى جسدها من فوق مرفقيها، وساقاها مربوطة إحداهما بالأخرى عند الكاحلين بضمادة طبية. لم يحاول الطبيب إخفاءها عندما كشف عن حذائها وجوربها كي تتعرف عليهم آيريس. كان يعلم أن وراء تلك الضمادات الكثيرة، يصير تمييز المرء صعبا نوعا ما.
لكن يديها كانتا حرتين فيما فوق الرسغين؛ إذ كانت الضمادات قد نفدت، وعلى أي حال كانتا لا تقويان إلا على التلويح بوهن. رقص قلب الآنسة فروي فرحا وهي تقول في نفسها إن فتاتها النبيهة تعرف أن أي استجابة فورية لمطلبها، مهما كانت بسيطة، تعني أن المريضة ميزت اسمها وتعطي إثباتا على هويتها.
لذا بسطت أصابع يدها كالمروحة ولوحتها في الهواء في استغاثة مثيرة للشفقة.
ثم ما لبث أن أظلم عقلها الذي لم يكن بوسعها التحكم فيه. كانت العقاقير تجعله مشوشا ومعكرا، لكن كل حين وآخر، كانت تصفو زاوية منه، كبقع الشراب الحمراء التي تتخلل المربى أثناء غليانها. في لحظات الصفاء تلك، كانت تجتاحها دوامة من الذكريات، لكن عقلها كان دوما يعود إلى لحظة الصدمة الأولى.
كانت لحظة رهيبة ووحشية. كانت تجلس في مقصورتها حين دخل الطبيب وسأل إن كان أحد بمقدوره أن يساعده على رفع مريضته. أوضح أن الممرضة غادرت المقصورة لبضع دقائق وأن المريضة المسكينة المسئول عنها بدأت تتململ وكأنما تشعر بشيء من التململ.
كان من البديهي بالنسبة للآنسة فروي أن تستجيب لطلبه؛ فهي لم تكن مستعدة دوما لتقديم يد العون فحسب، بل كانت متشوقة أيضا لرؤية ضحية حادث التصادم عن قرب، بجانب أنها ربما تعرف المزيد عن الحادث؛ إذ سيكون شيئا ترويه لإثارة حماسة الأسرة عندما تروي مغامراتها مساء الجمعة.
عندما دخلا إلى مقصورة المريضة، طلب منها الطبيب أن ترفع رأس المريضة بينما يرفع هو جسدها. انحنت فوق الجسد الممدد بتعاطف جم؛ إذ تذكرت التباين بين حالهما.
قالت في نفسها: «أنا معافاة وسعيدة. أنا عائدة إلى البيت.»
فجأة خرجت ذراعان يغطيهما الكتان الأبيض وأطبقتا على رقبتها.
صفحة غير معروفة