2 «رباه! ما سر هذه التعاسة العظيمة؟ ما سر هذا الفزع العظيم؟» ينفلت الناقد والشاعر المجدد، ويجريان بحثا عن الطبيب - يبقى الشاعر الكبير بجانبك - يمد ذراعه بين الحين والحين ليتأبط ذراعك، أو ليمر بيده على يدك فلا تطاوعه. يهم أن يفتح فمه؛ ليستأنف الحديث الذي بدأه في أول الليل عن مشروعات فيحتبس اللسان. يوشك أن يكرر السؤال عن الندوة التي اشتركت فيها قبل حضورك، فيواجه بابك الموصد. تتراءى أمامه مسوخ الكلمات التي ألقيت في وجهك، فيخفض رأسه إلى الأرض. الهواء في المدخل لافح، وأنفاسك المتهدجة تتوالى متقطعة كأزيز النار في الحطب تزيده لفحا. تطوف عيناك بالعجائز والأطفال والرجال المنتظرين على الأرائك، بالممرضات اللائي يسحبن المحفات وتشم رائحة الدواء والمرض والانتظار الممض، والموت المتربص خلف الأبواب والجدران الناصعة البيض . يشتد الوخز عليك، ويرفرف شيء في صدرك فتقول لنفسك: الطير الأسود. يكون الشاعر قد عثر على كرسي، فيجره نحوك، ويدعوك للجلوس. تشكره وتغالب ضحكة لا تريد أن تخرج: «شكرا يا صاحب هذا البيت.» يمد يده إلى جيبه ويخرج علبة سجائره، ويقدم لك منها وهو يضحك: «نورا يا صاحب هذا البيت.» تحس أصابعك ترتعش، وهي تبحث في جيب السراويل عن القداحة، تخرجها وتلتقط سيجارة، ثم تعيدها إلى مكانها، وتشعل له سيجارته. يؤيد الكلام مخاوفه: الأفضل أن تؤجلها لما بعد الكشف. يكفي ما أحرقت الليلة. تبتسم بمرارة: وما احترقت. تغمض عينيك قليلا وتفتحهما. تتطلع من نافذة المدخل، وتنظر في ساعة يدك. يسارع الشاعر قائلا: لا تقلق، لحظات ونعود إليهم. تتردد في ذاكرتك أبيات قرأتها قديما: انتصف الليل. وزمن الانتظار فات. وأنا أنا وحدي،
4
تغمض عينيك وتدير وجهك للحائط، وتتابع صدى أبياتك القديمة التي اندفعت إليك بغير ترتيب: «هذا المساء. أدرت وجهي للحياة، واغتمضت كي أموت. في هدأة السكوت، قد آن للشعاع أن يغيب. قد آن للغريب أن يئوب.» تندفع أصداء بيت قديم كنت تحب ترديده: وكل ذي غيبة يئوب. وغائب الموت لا يئوب
5
تتوالى الأصداء الأولى: «للمركب الجانح أن يرسو على شط قريب. للجدول الناضب أن يفضي إلى نهر رحيب.» يقطع الشاعر حبل النغم مؤكدا: بعد الكشف سنرجع حالا. ما هي إلا دقائق ونعود. لا تنظر في الساعة. أرجوك. تنظر في الساعة، وتندهش لقفزات عقاربها تتمنى لو كانت مي ومعتزة
6
في الفراش، أو لو كانتا بجوارك، لو وضعت يدك على رأسيهما وكتفيهما وتخللت بأصابعك شعرهما وقبلتهما كعادتك قبل الذهاب للنوم. تتمنى لو كانت هي أيضا بجوارك. تسألك عما تريد، فتقول لها: «أن تكوني لي إلى الأبد، وأن تكون مقلتاك آخر الذي أرى من الحياة.» تلسعك الوخزة في الصدر، ويشتد لغيب القلب، فتمد يدك كأنك تبعد هواجسها: «كل شيء يا حبيبتي يهون، ما دمت لي إلى الأبد.» تتخيلها تضع يدها على قلبك فتقول: «حينما يكون قلبك الكبير جنب قلبي، فالبحر لا يفصلنا، والنار لا تخيفنا، والموت ...» وتتوقف لتسحب نفسا عمقا يتدحرج في لهاتك كجدول يشق طريقه بصعوبة في الأحراش. وعندما تقع عيناك على الصديقين القادمين عن يمين الطبيب ويساره تتحشرج في أنفاسك المناجاة التي لا تستطيع أن تتمها: ينبئني تهز رأسك، وتنفي أنك في شتاء هذا العام. وقدة الحر المتلظي في ليل الصيف تعطيك الأمل، تعود للمناجاة التي ستقطع بعد لحظات، والتي بدأت فتتخللها ملامح الناقد الجادة، وابتسامة الطمأنينة على وجه الشاعر المجدد: «ينبئني هذا المساء أنني أموت وحدي، ينبئني هذا المساء أن هيكلي مريض، وأن أنفاسي شوك، وأن كل خطوة في وسطها مغامرة، وقد أموت قبل أن تلحق رجل رجلا، في زحمة المدينة المنهمرة.» تقول لنفسك وأنت تنهض بصعوبة وتمد يدك للطبيب: «أموت لا يعرفني أحد. أموت لا يبكي أحد.» •••
طويل ونحيل أسمر، حاجباه الكثيفان يقفان كحارسين في ملابس السود أسفل جبهته الضيقة المربدة، ملامحه صارمة، وعليها آثار الإرهاق والحس المفرط بالمسئولية، يقدمه إليك الناقد، بل يذكر اسمه: الدكتور ... ويقدمك إليه وهو يضحك باطمئنان الواثق، ويربت بيده على ذراعك: شاعرنا الكبير ... تسلم عليه بيد لا تستطيع أن تمنعها من الارتعاش. يوسع الأصحاب مكانا إلى الوراء، يرجوك الطبيب أن تصحبه إلى غرفة الاستقبال، يلتفت خلفه ويطمئن رجلا مرتبك الأعصاب في أواسط العمر: لن أتأخر. ثم يلامس ذراعك، ويقول وهو يبتسم: «خير إن شاء الله.»
يستأذن الصحاب في الدخول معك، فيشير إشارة مهذبة: لن نتأخر تعب بسيط. ثم ضاحكا وهو يتفرس الوجوه القلقة والعيون الشاخصة: أمراض العصر. من أدرى بها من المثقفين؟ تلتفت إليهم وتجاهد لسحب قناع الثقة المطمئن على وجه انسحب عنه الدم واللون: طيب دقيقتين. تنظر في ساعتك بسرعة. يقترب منك الناقد والشاعر الكبير ملهوفين. تحب أن تذهب لهم وتطمئنهم؟ تمط شفتيك مرجحا الفكرة، ثم تقول بسرعة: البركة في الدكتور. لن نتأخر بإذن الله. يؤكد الناقد: أنت بخير، لا داعي لإزعاجهم الآن. يضيف الشاعر المجدد: كلها ثوان وتكونون في البيت، تغيم سحابات عابرة على جبهتك وخديك، ترتد النظرة للباطن تجس الشيء الحزين ، وتمر على جناحي الطير الأسود الراقد مفتوح العينين. تشير إليهم إشارة ترج الجسد الثقيل: شدوا حيلكم. يضحكون ويرتفع صوت هاتف: دائما أنت أنت نفسك. دائما مرح اتكلوا على الله. تقول لنفسك وأنت تتجه مع الطبيب إلى الغرفة المواربة الباب في الركن القصي وتفحص بعينيك وجوه المرضى على الأرائك، والأيدي المسندة إلى الصدور والخدود، والمحفات العابرة في المداخل والطرقات أمام أبواب المصاعد، والعيون الجاحظة المستسلمة للمددين عليها: إلى المصير. ينفذ بصرك في الجلد والثياب وتضيف: «الطارق المجهول ملثم شرير. عيناه مسقيان بالسموم. والوجه من تحت اللثام وجه بوم.» يبتسم الطبيب في وجهك وهو يفتح الباب، ويدعوك للدخول فيدوي صوت في سمعك: «إلى المصير، والمصير هوة تروع الظنون.»
3
صفحة غير معروفة